مقالات

وهنا تظهر الدعاية الرأسمالية وغسيل العقول

للأجيال التي وُلدت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات في بلادنا (بين سنة 1960 إلى 1990)، بدأت حياتها تعتقد أنها لو سارت على مسار الآباء، ستعيش في استقرار وسعادة:

يدخل المدرسة والجامعة ويتعلم، ثم يجد وظيفة وراتب مستقر، يفتح بيته، ويبني أسرة، ويكفي نفسه وأسرته، إلى أن يتقاعد، ثم يعيش حياة هادئة، ثم يموت.

لكن جاء ما يسمى الانفتاح الاقتصادي، والعولمة، واستيراد السلع الملونة المبهرة، بدأت الشركات الوطنية تغلق أبوابها، ويُسرَّح الموظفون والعمال، أو أصبح الراتب قليلًا وغير كافٍ، فتظل موظفًا لكن فقير.

النتيجة: ينهار الأمان والنظام، كما تنهار صورة الرجال واحترامهم لأنفسهم، وأمام الأسرة ومن يعولهم، فقد أصبح غير قادر على تلبية احتياجاتهم، وطلباتهم التي تتزايد تحت ضغط الإعلانات والدعاية والمنتجات الجديدة والموضات البراقة ونظرة المجتمع!

سقط من عين نفسه وعين زوجته وعين أولاده، وتحول من الأب القوي القائد، إلى الأب عديم الحيلة الغلبان، يبحث عن فرص عمل لتحسين الدخل.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

طوال الثلاثمائة سنة الأخيرة يوجد سؤال يؤثر في حياتنا جميعًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة:

حين تظهر تكنولوجيا جديدة تجعل الإنتاج أسهل أو أرخص أو أكثر كفاءة، سيُستغنى عن الأيدي العاملة، أو البشر الذين يعملون في هذه المهنة.

هنا يظهر السؤال الأخلاقي: لمصلحة من أن يتحول هؤلاء البشر إلى عاطلين؟ بلا عمل ولا مصدر دخل، بلا فائدة ولا قيمة، هل التكنولوجيا لخدمة ملايين البشر؟ ونشر السعادة والرخاء والطمأنينة والرضا؟ أم لزيادة ثروة عدد قليل من الرأسماليين أصحاب الشركات والمضاربين في البورصة؟

هل كل هذا لتحقيق أرباح لصاحب المصنع أو الرأسمالي صاحب الشركة، ومش مهم ملايين من البشر الذين تتحطم حياتهم؟

ما مصير ملايين البشر العاطلين الذين يفقدون وظيفتهم وقيمتهم في المجتمع ويُستَغنى عنهم ويقال لهم: شكرًا أصبحت بلا قيمة ولا يحتاجك أحد واستغنينا عنك وعن خدماتك؟

هنا تظهر الدعاية الرأسمالية وغسيل العقول في الإعلام والتعليم بإجابة جاهزة، تُكرر حتى صدقها الناس! إن فرص العمل التي تختفي مع انتهاء التكنولوجيا القديمة، تظهر مكانها أشكال مختلفة وأنواع جديدة من التخصصات وفرص العمل، يمكن للناس الذين خسروا وظائفهم أن يطوروا أنفسهم، ويتعلموا المهارات الجديدة المطلوبة في سوق العمل، ثم يدخلوا في الوظائف الجديدة.

كنت بتشتغل عامل على ماكينة في مصنع، تتعلم البرمجة وتأخذ ماجيستير في إدارة الأعمال، وتصبح مدير شركة وتكسب أكثر!

سهلة، صح؟

ولو ما عملتش كدا، تفضل عاطل وفقير والعيب فيك، لأنك ما اشتغلتش على نفسك كفاية!

أثبتت الأبحاث أن هذه أكبر كذبة في تاريخ الاقتصاد!

أثبت بحث شهير، اسمه صدمة الصين، للاقتصادي ديفيد أوتر (David Autor) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT): (The China Shock: Learning from Labor Market Adjustment to Large Changes in Trade)

البحث قيم على مدى عشرات السنين تأثير استيراد الولايات المتحدة الأمريكية للمنتجات الرخيصة من الصين، تأثيره على البشر وحياتهم الشخصية!

يعني الصدمة نفسها التي حدثت في بلادنا في عصر الانفتاح في الثمانينيات، والصدمة نفسها التي ستحدث حين يُستَغنى عن الموظفين وإحلال الذكاء الاصطناعي مكانهم، والصدمة نفسها التي حدثت في الثورة الصناعية، حين تم الاستغناء عن ملايين العمال والحرفيين لصالح الماكينات في المصانع.

البحث يقول أن كذبة الرأسمالية بأن العمال والموظفين حين يتركون مهنة يتقنونها طوال عدة سنوات، سيبحثون عن تنمية مهاراتهم، والتحول من عامل في مصنع إلى مهندس كمبيوتر!

هذه خرافة!

طوال الوقت يقولون لنا حين نستغني عن المصنع والعمال والموظفين ونستبدلهم بالذكاء الاصطناعي أو بضائع الصين، سوف يذهب العمال والموظفون إلى دورات تدريبية ويتحولون إلى خبراء في البيزنيس ومهندسين في الذكاء الاصطناعي ويكسبون رواتب أكبر، ويصبح الجميع سعيدًا.

لكن الواقع الذي وجده البحث هو:

حين يتراجع دخل شخص أو يصرف من عمله، من الصعب جدًا أن ينسى سنوات عمره ويبدأ من الصفر في مهنة جديدة أو تخصص جديد بمهارات مختلفة تمامًا.

هذا طلب وهمي لا يتحقق في الحياة الواقعية، وكل الهدف منه أن تستعمل الرأسمالية هذا الشعار كي يقولوا لمن فُصِلوا وأصبحوا عاطلين، أن العيب فيك، إنت مش بتطور نفسك، إنت مش بتشتغل على نفسك كفاية!

ثانيًا: الوظائف الجديدة التي تظهر مع التكنولوجيا الجديدة يأخذها شباب جدد من مكان جديد، جيل جديد مهاجر من مكان آخر، أو شباب، لأن الشباب لديهم قدرة على التعلم أعلى، ولديهم مرونة أكبر، في حين يترك العالم وراءه الجيل القديم عاطلًا عن العمل مع شعور بالعار ولوم الذات والخجل والغضب المكبوت.

الجيل القديم عادة ينتهي به الحال إلى نسبة طلاق أعلى ونسبة تعاطي مخدرات أكبر وجرائم أكثر وتفكك أسري أشد واكتئاب وأمراض نفسية كثيرة، فضلًا عن ضياع الأبناء.

والمدن التي كانت تحتوي على المصانع النشيطة والأسواق تتحول إلى خرابة وأماكن للفقر والجريمة والدعارة والمخدرات، وتتفكك الأسر.

يعني التكنولوجيا الجديدة والسلع الرخيصة لم تجلب لهذه المدن، التي كانت نشيطة أو الصناعية، أي رفاهية أو تقدم أو سعادة، بل جلبت لهم الكساد والبؤس والشقاء والتعاسة!

الدرس

التكنولوجيا التي يروجون لها على أنها مصدر سعادة، عادة تكون مصدر سعادة لعدد قليل من الرأسماليين الأغنياء، في حين تحمل التعاسة لملايين البشر.

رأينا هذا في بلادنا وقت الانفتاح ونعاني من أثره حتى اليوم في صورة انهيار صورة رب الأسرة والتفكك الأسري وضياع الأبناء والفقر.

رأينا هذا في الثورة الصناعية والاستعمار الأوروبي.

رأينا هذا في مدن الولايات المتحدة الأمريكية الصناعية، حين أخذت الصين واليابان فرص العمل وزادت ثروات الرأسماليين، بينما تحولت هذه المدن إلى مدن للجريمة والفقر والأشباح والمخدرات والأمراض النفسية والتفكك الأسري والعنف.

وسنرى هذا في دخول الذكاء الاصطناعي وحلول الذكاء الاصطناعي محل ملايين الموظفين في المؤسسات المالية والإدارية والقضاء والحكومة، إلخ.

ثم تُعطى محاضرات لهم بأن عليهم تطوير أنفسهم لمواكبة التكنولوجيا الجديدة، كأن هذا أمر بسيط وسهل أن يحققه ملايين البشر العاديين من متوسطي الذكاء.

ويتلاعبون بالإعلام لتبرير هذا البؤس، وإلقاء اللوم على الضحايا، بتهمة أنهم لم يطوروا أنفسهم بما يكفي لمواكبة التطور السريع، وأصل إنت مش بتشتغل على نفسك كفاية!

تمامًا كما يلومون من يعانون مرض زيادة الوزن بشعارات: لأنك تأكل كثيرًا!  أصل إنت بتاكل كتير! العيب فيك!

مقالات ذات صلة

خطايا الرأسمالية

الإعلام والأجورا الرقمية!

نحو ذكاء اصطناعي متوافق مع القيم الإنسانية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس