فن وأدب - مقالاتمقالات

الديستوبيا!

الديستوبيا Distopia في اليونانية تعني المكان الخبيث، وهو المجتمع الفاسد الطبقي المخيف. فإذا كانت اليوتوبيا Utopia هي المدينة أو المجتمع الخيالي الفاضل الذي تكتمل فيه السعادة وتتخلص البشرية من مشاكلها، فإن الديستوبيا هي المجتمع الذي يسوده القمع والمشاكل من حروب وفقر وأمراض. إنها المكان السيء الذي تنهار فيه الحضارة، وتمسي الحياة كابوسا، وما أشده من كابوس ذلك الواقع الذي نعيشه اليوم!

أدب الديستوبيا

وثمة ما يوصف بأدب الديستوبيا، وهو أدب يعري الأوضاع الراهنة كاشفا للامعقوليتها التي ستجرد الإنسان مستقبلا من قيمه وتفضح انحطاطه الكارثي. من ذلك مثلا رواية «1984» للروائي البريطاني «جورج أورويل» George Orwell (1903 – 1950) التي قدمها سنة 1949 وتنبأ من خلالها بمصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه ولا تحقق لساكنيه أحلامهم وطموحاتهم بـل تحولهم إلى مجرد أرقام.

كذلك رواية «فهرنهايت 451» Fahrenheit 451 للأديب الأمريكي «راي برادبري» Ray Bradbury (1920 – 2012) التي تحكي عن قصة نظام شمولي يقوم بغزو العالم في المستقبل ويجعل التلفاز وسيلة دعاية سياسية له ويقوم بحرق الكتب على درجة 451 فهرنهايت،

ورواية «ألعاب الجوع» The Hunger Games للأديبة الأمريكية «سوزان كولنز» Suzanne Collins (من مواليد 1962)، وفيها تشترك البطلة «كاتنيس إيفردين» Katniss Everdeen في مسابقة سنوية تحت اسم «مباريات الجوع»، حيث يتم اختيار أربعة وعشرين متسابقا ما بين ولد وبنت، أعمارهم تتراوح بين الثانية عشرة والثمانية عشرة عاما ليتقاتلوا حتى الموت، والفائز هو آخر شخص يظل على قيد الحياة،

ورواية «عالم جديد شجاع» Brave New World للأديب الانجليزي «ألدوس هكسلي» Aldous Huxley (1894 – 1963)، التي عبر فيها عن خوفه من سيطرة العلم على حياة الناس، ليغدو العالم الجديد هو عالم العقاقير والآلات الذي تنتفي منه العاطفة والشعر والجمال.

الواقع المرير

في بعض الأحيان، نشعر وكأننا نعيش في نسخة حقيقية من هذا الواقع المرير الذي يقدمه لنا أدب الديستوبيا، بل ونشعر أيضا بأننا في حاجة إلى رواية بائسة لمساعدتنا في فرز محن الواقع واجتيازها، وهو ما يعكسه الطلب المتزايد عالميا لروايات الديستوبيا منذ اندلاع أزمة كورونا في ديسمبر من العام الماضي.

ولعل السبب في كون هذا الخيال البائس مختلفا هو أن مبدعيه متفائلون بشكل غريب؛ رواياتهم لا تتعلق بالتنبؤ بقدر ما تتعلق بالوقاية، إذ تحذر من المدى المرعب الذي يمكن أن يبلغه مجتمعنا إذا لم يتم اتخاذ إجراء.

وتُظهر الأبحاث أن السرد القصصي، وهو أقدم وسيلة اتصال على الإطلاق، له تأثير على كل من الجمهور وصناع السياسات يفوق أكثر المصادر الأكاديمية شهرة، فليس أبلغ لعقولنا من أن تتصل مباشرة بالبيئة الاصطناعية التي يختبرها أخيارنا وأشرارنا المتخيلون، كي نعيش جزءا من حياتنا من خلال حياتهم، حتى ولو على سبيل الخيال!

وتبقى في النهاية رواية (عالمنا العربي المعاصر) تلك التي نعيشها ونعايشها الآن مكابدين عناء فهمها وبؤس تمثيلنا لها ورعب لحظة النهاية، نحن جميعا أبطال في هذه الرواية؛ نناقش المشكلات فتتفاقم من حولنا، نخطط للمستقبل فيبدو أكثر سوداوية من الحاضر، نبحث عن الحرية والعدالة والكرامة فتتوالى علينا ضربات العبودية والظلم والإهانة، نحلم بتعليم آدمي جيد فتتساقط علينا جهالات قوم ضلوا وأضلوا، ننشد النظافة والصحة والجمال فتعلو تلال قمامتنا ويدهمنا المرض وتصدمنا مسوخ من صنعنا! لا تُجدي معنا حضارة سالفة أو ديانة، وما زلنا نشكل اللجان ونناقش!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

رواية 1984

اليوتوبيا والمجتمع الفاضل

ألوان الظلـم في حياتنا

اظهر المزيد

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى