مقالات

المفكر والعالم – ما هو الفرق بينهما ؟ وهل هناك خلط في أدوار كل منهما ؟

بين المفكر والعالم

يستيقظ في السادسة صباحاً يومياً مُفضلاً أن يحضر محاضرته الأولى المبكرة على أن ينام ساعتين إضافيتين، هو متفوق يكُرس حياته كلها لدراسته، يعرف أدق التفاصيل عن مواده الدراسية، يشرح لزملائه ما لا يفهموه من مُدرس المادة بأسلوب مُبسط يصعب على المُدرس أن يشرح مثله، هو الطالب المميز الذي يتوقع له الجميع مستقبلاً باهراً، ليس لديه أية هوايات أو اهتمامات أو دراسات أو قراءات خارج مجاله الدراسي، هذا المتعلم خارج مجال دراسته هو جاهل بامتياز، هو متخصص موجود في قلب المشهد فيحيط بشكل تفصيلي بأحد أجزاء المشهد ولكنه يجهل بباقي الأجزاء!

في رقعة أخرى من الطاولة نجد هذا الذي يُفضل النوم ساعتين إضافيتين على الاستيقاظ مبكراً لحضور محاضرته الأولى، هو لا يعرف أدق التفاصيل عن مواده الدراسية ولكنه يعرف ما يجعله ينجح فيها، يعرف المبادئ والخطوط العريضة لمواده، ولكنه مُطّلع، لديه قراءات في مجالات أخرى غير مجاله الدراسي، دائم التواجد في الكليات الأخرى، يعرف الهدف من وراء كل كلية وأساسيات ما يتم دراسته فيها، هو الذي يجلس وسط أصحابه المختلفين فيكون محور الجلسة لأنه دائماً يجد نقطة حوار مشتركة مع كل منهم، هو واسع الأفق يرى المشهد من بعيد فيراه كاملاً وإن لم يكن بشكل تفصيلي!

وبعد سنوات ليست قليلة أصبح الأول عالماً والآخر مفكراً!

المفكر والعالم

يُقال أن المفكر يعرف شيئاً عن كل شيء، بمعنى أنه يعرف على الأقل أساسيات ومبادئ كل العلوم، ربما ليس على دراية بأدق تفاصيل العلوم ولكن إحاطته بكليات كل علم تجعل منه أنسب شخص يعرف ما يحتاجه المجتمع، فهو يعرف كيفية توظيف كل علم بما يخدم المجتمع وبما لا يخل أو يصطدم مع باقي العلوم، هو أنسب شخص قادر على حل مشاكل المجتمع، مشكلة مثل زراعة الأعضاء البشرية مثلاً هو الذي يعرف الحدود بين الفقه والطب فيها أو قرار كتعويم العملة المحلية هو الذي يعرف تأثيره على الاقتصاد والسياسة وهوية الدولة وطبيعة الشعب واحتياجاته.

بينما العالم يعرف كل شيء عن شيء واحد، يعرف أدق التفاصيل في علمه ولكن في العلوم الأخرى يكون مثله مثل العوام، عالم كيميائي مثلاً ورغم كامل إحاطته بالكيمياء قد نجده ضعيفاً في اللغة والنحو أو علم الاجتماع وعلم النفس أو غير قادر على صياغة ما تحتاجه بلده من الفيزياء أو لا يعلم ما هي علاقة الفيزياء بباقي العلوم.
ستيفن هوكنج عالم الفيزياء المشهور ورغم أنه أحد أهم علماء الفيزياء في العصر الحالي نجد آراءه الفلسفية ضعيفة جداً يمكن لأي طالب فلسفة الرد عليها بسهولة.

علاقة تكاملية

إن العلاقة بين العالم والمفكر علاقة تكاملية لبناء الدول وحل مشاكل المجتمعات؛ فتأسيس أي نظام يحتاج لوجود العالم والمفكر معاً، فالمفكر هو الذي يضع الخطوط العريضة والتصور العام لأي نظام بما لديه من إحاطة، بينما العالم يملأ هذه الخطوط بالتفاصيل لما لديه من تخصص.

مثلاً نريد وضع نظام لتنمية الطفل، فالمفكر يضع الخطوط العريضة لهذا النظام بأن يقول الطفل عقل وجسد وبالتالي تنمية الطفل يجب أن تكون عقلية بالمبادئ والقيم والتعليم والأخلاق وجسدية بالرياضة والأكل الصحي، ثم يأتي العالم ويتعامل مع التفاصيل وفقاً لهذا الإطار الموضوع، فمشكلة مثل طفل منطوٍ ومكتئب نتيجة سخرية زملائه منه لأنه لطّخ ملابسه وهو يأكل الآيس كريم أو طفل مشاغب أو طفل مريض أو خجول…

كل هذه الأمور هي مشاكل تفصيلية، العالم المتخصص التربوي هو من يملك حلها وليس المفكر ولكن العالم يحلها في إطار الحدود التي وضعها المفكر، فالعالم المتخصص إن قال:”يلزم تنمية ثقة الطفل في نفسه بزرع فكرة إنه متميز وأفضل من الآخرين وبكونه مصدر كل كمال ولا يحتاج لأحد” فهذا يتجاوز الحدود الموضوعة لأنه يصطدم مع علم الأخلاق، نعم نريد طفلاً واثقاً من نفسه ولكن دون أن يكون مغروراً وأنانياً.

خلط الأدوار

ولكن ماذا لو اعتدى كل منهم على دور الآخر؟!
هل يليق أن نأخذ من عالم كتوماس أديسون مثلاً الأفكار الفلسفية ونتبنى مواقفه السياسية وهو بعيد كل البعد عن الفلسفة والسياسة؟ الأمر أشبه بأن نأخذ من مالكوم إكس النظريات الفيزيائية أو ننتظر من نعوم تشومسكي اختراعاً تكنولوجياً!

هناك ظاهرة منتشرة في العالم كله وهي تبني العوام للمواقف السياسية للعلماء خصوصاً في دول العالم الثالث، بالإضافة إلى الاعتماد على آراء العلماء في تكوين الأفكار الفلسفية كالاعتماد على آراء أهل الفيزياء في إنكار وجود الله رغم كون هذا البحث بعيداً عن التخصص الفيزيائي، فالفيزياء كعلم يتناول الأجسام والمادة بالتأكيد لن تستوعب قضية فلسفية ميتافيزيقية مثل وجود الله.

وهذا راجع إلى مكانة العلماء عند الشعوب وبالتأكيد هي مكانة مُستحقة لما أضافوه للبشرية ولكن يختلط الأمر على بعض العلماء ويتحدثون في أمور هي ليست تخصصهم ونظراً لما يتمتعون به من ثقة كبيرة جداً عند الناس فكلمتهم تكون مسموعة.

خطأ شائع لبعض المفكرين

الأمر الكوميدي في موضوع خلط الأدوار بين العالم و المفكر هو لجوء بعض من ينتسبون للفكر والفلسفة لنظريات مادية لكي يثبتوا أفكارهم الفلسفية، مثل هؤلاء الذين يتبنون نسبية الحقيقة والأفكار فهم يعتمدون على نظرية النسبية لألبرت أينشتاين رغم كون هذه النظرية تتناول الأجسام وليس الأفكار، وطبيعة الأجسام تختلف عن طبيعة الأفكار،

الأمر الذي جعل أينشتاين نفسه يقول في حوار له “لقد أُسيء فهم ما تعنيه النسبية على نطاق واسع، يلعب بعض الفلاسفة بالكلمات كما يلعب الأطفال بالدُمى، النسبية كما أراها تُشير إلى أن بعض الحقائق الفيزيائية والميكانيكية التي كان يُنظر إليها على أنها ثابتة، هي نسبية حينما نضع في الاعتبار حقائق فيزيائية وميكانيكية أخرى، النسبية لا تعني أن لدينا الحق في أن نقلب العالم رأساً على عقب بخبث”

أو هؤلاء الذين يستخدمون نظرية التطور لداروين في إثبات عدم وجود إله رغم أن داروين نفسه كان يعتنق المسيحية ومؤمن بوجود إله، وبشهادة خادمته كان يقرأ الإنجيل.

يتكلم الدكتور مصطفى مشرفة على وجوب توفر شرطين أساسيين للعقلية العلمية وهما الخبرة المباشرة والتفكير المنطقي الصحيح، فبالإضافة إلى الخبرة والعلم في المجال التخصصي للعالم يجب أيضاً أن يكون العالم على دراية بعلم المنطق حتى يستطيع أن يوظّف علمه التوظيف الصحيح السليم،

الحاجة إلى المنطق

إن العلماء الذين يؤيدون المستبدين أو الذين يجرون التجارب العلمية البشعة على البشر كما كان يفعل النازيون أو الذين يصنعون القنابل النووية، إن الذين يخدمون الظلم ويؤذون البشرية باسم العلم بالضرورة تنقصهم القدرة على تشخيص الحق من الباطل ولذلك هم بحاجة للتفكير المنطقي والفلسفة، كما أن المفكرين الذين يصنعون النظام ويفضّون النزاع في المجتمع بحاجة لأن يكونوا مستقلين وغير تابعين للقوي أو للرائج الشائع في العالم، بحاجة لأن يكونوا متجردين عن أي موانع تعيقهم عن أداء أماناتهم سواء كانت موانع نفسية أو أخلاقية أو مجتمعية، بحاجة لتبني منهج معرفي سليم يوصّلهم للمعرفة والأفكار الصحيحة؛ فكم من مفكرين يروجون لأفكار خاطئة نتيجة منهجهم الخاطئ.

إن المفكر والعالم يعزفون سيمفونية النظام والحضارة على هذه الأرض، ولو التزم كل منهم بدوره وقام بما يتوجب عليه فعله من مسئوليات بالتأكيد سنسمع سيمفونية رائعة.

اقرأ أيضاً:

هل تفكر الحواسيب ؟

كفانا فلسفة!

لماذا سمح الله بالشر ؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق