قضايا وجودية - مقالاتمقالات

الحياة الإنسانية والإنسان – الجزء السابع

الفارق بين الإنسان والحيوان

في المقال السابق تم الإشارة لهذا المقال الذي يتناول الفرق بين الإنسان و الحيوان ، ولهذه المقارنة أهمية كبيرة في موضوع بحثنا حول الحياة الإنسانية والإنسان، لما سوف تحمله من توضيحات طالما لم يتطرق لهذا الكثير من المفكرين وقادة الرأي، لأسباب تتمحور حول انغماس الغالبية العظمي من شعوب العالم والمدارس الفكرية في المادية، ما بين الدائر في فلكها وما بين المستمتع بها وطرف ثالث لا يدري عنها شيء بالرغم من تحكمها المطلق في حياته على شتى الأصعدة.

نبدأ حول مجال وعي الحيوان ومستوى رغباته، والتي لا تخرج عن نطاق الحواس، فنجد هذا الحيوان لا ينفذ إلى باطن العلاقات، كما تسيطر عليه الفردية والجزئيات البسيطة فلا يدرك الكليات، يعيش زمانه الحالي منقطع عن الماضي والحاضر لا يدرك عنهم شيء، فالحيوان لا يخرج عن إطار الظواهر، حتى إذا خرج أحيانا عن العادة كان ذلك نتاج الغريزة أو تأثيرات الطبيعة من حوله.

لذلك تجده على مستوى الرغبات لا تختلف عن مجال وعيه فهو مادي لا يتعدى حدود الأكل والشرب والتزاوج لا يكترث بغير نفسه، فهو لا يتعلق بشيء أو شخص أو حيوان مثله إلا في إطار إشباع الغريزة ولا مستقبل لديه ولا حياة اجتماعية إلا أيضا بحكم الغريزة.

أما بالنظر لمجال وعي الإنسان ورغباته فهي أكثر اتساعا ورقيا وارتباطا بالقيم بخلاف الحيوانات، فتميز الإنسان بالقدرة العقلية التي لا توجد في الحيوان، جعلت له نظرة ووعي مختلف تخضع لضوابط ومنطق خاص، لذلك يمكن القول أن هذا التميز العقلي هو أساس الإنسانية الذي يميز بين الصواب والخطأ ويبدأ منه رحلة تكامله وبحثه عن مسببات السعادة وتكملة النقص؛ فيبحث عن الدين ويستفاد من العلم والأخلاق.

الهيومنيسم “أصالة الإنسان”

وتنكر الكثير من المدارس ذات الأساس المادي ذلك الفارق وتعتبر الفرق بين الإنسان و الحيوان هو مجرد اختلاف كمي وكيفي لا اختلاف في الماهية والأصل.

وعلى هذا يوجد اشتراك بين الحيوان والإنسان.

لذلك يوجد للإنسان حياة حيوانية وحياة إنسانية، وهنا يجب أن نحدد ما هو الأصل وما هو الفرع بالنسبة للحياة الإنسانية، نجد على سبيل المثال ما يسمى ( أصالة الإنسان ) أو ” هيومنيسم ” وهي أن إنسانية الإنسان لا أصالة لها، والجانب المادي الحيواني فقط هو الذي له أصالة، حيث تنكر هذه المدرسة كل مجرد عن المادة ، والغريب أن مثل هذه المدارس الفكرية التي تنكر إنسانية الإنسان تهتف باستمرار بحقوق الإنسان والحريات وأصالة الإنسان، في نفس الوقت الذي لا يعتبر الإنسان أكثر من حيوان راقي !

ونحن في الحقيقة لا ننكر الجانب الحيواني من الإنسان، لكن لا نقول بأن له الأصالة، فلا يمكن مهما بدا الإنسان من تكامل مادي فقط أن يصل إلى الإنسانية المطلوبة له باعتباره إنسان لا حيوان، يدرك أغلب المفكرين اليوم أن العالم يعاني من الفراغ بالرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي الكبير،

فلا يمكن للعلم فقط أن يبني ويلبي متطلبات الإنسانية على كافة المستويات، لذلك نجد بعض الأفكار اليوم تحاول أن تملأ هذا الفراغ بالأفكار البعيدة عن الواقع، أو من خلال الفن والأدب والعلوم الإنسانية، مما قد أوصل المجتمعات في عصرنا الراهن لغياب المعنى والغاية من الحياة نفسها إلا القليل ممن عرف الحقيقة الواقعية عن الإنسان والعالم .

العلم المادي وحده لا يكفي للحياة الإنسانية

كما أن العلم لا يقتصر على الجانب المادي فقط، فهناك التعاليم الدينية والأخلاقية التي لا غنى عنها في الحياة الإنسانية الحقيقية، وقد ثبت الواقع لنا أن اقتصار العلم على تعلم المهارات غير كاف؛

فالإنسان بجانب تعلمه مهارة أو صنعة هو في أشد الحاجة للتمييز بين العدل والظلم، الجمال والقبح حتى تستقيم حياته، كما شاهد العالم كم المجازر والدمار نتيجة الأسلحة المتطورة التي هي نتاج علم بدون أخلاق، كذلك شاهد عندما يقترن العلم بالأخلاق ينتج عنه إعمار للمجتمعات وعلاج الأمراض …..إلى آخره.

الإنسان دائما يحتاج إلى قوة تتمكن من إيجاد ثورة في ضميره تعطيه اتجاها جديدًا نحو الكمال الإنساني وهذا ما لا يقدر العلم المادي أن يعطيه للإنسان، حيث أن هذا الدافع هو نتاج تقديس بعض القيم وارتفاع قيمتها لدى الإنسان، والتي هي بدورها نتاج رؤية خاصة وسليمة في نفس الوقت حول الإنسان والعالم.

جورج سارتن

يقول ” جورج سارتن ” العالم الشهير وصاحب كتاب – تاريخ العلم – ( قام العلم في بعض المجالات بتسام عظيم وعجيب، ولكن في المجالات الأخرى كالسياسة الوطنية والدولية التي تتصل بعلاقات أفراد الإنسان ببعضهم لازلنا نضحك من أنفسنا).

ويعترف نفس الكاتب بأن الإيمان الذي هو حاجة أساسية للإنسان حيث يقول في حاجة الإنسان إلى كلا من الفن والدين والعلم ما يلي:

إن الفن يُظهر الجمال، وتكون هذه الجهة سببا في سرور الحياة، والدين يجلب الحب فهو موسيقى الحياة، والعلم يتعامل مع الحق والصدق والعقل، ويكون سببا في ذكاء النوع البشري، ونحن محتاجون إلى هذه العوامل الثلاثة

وبالرغم من اختلافنا مع الكاتب حول طبيعة ما يقدمه الدين والعلم والفن والتي تنشأ من طبيعة الرؤية والتفكير الخاص بكل مدرسة فكرية والتي تختلف عن الآخر، إلا أن الاتفاق يكمن في تأكيد عالم من المدرسة المادية التي تنكر كل ما هو غيبي على أهمية الدين والقيم للحياة الإنسانية وأن العلم المادي وحده لا يكفي للحياة الإنسانية.

اقرأ أيضا:

الجزء الأول من المقال، الجزء الثاني من المقال

الجزء الثالث من المقال، الجزء الرابع من المقال

الجزء الخامس من المقال، الجزء السادس من المقال

مقالات ذات صلة