مقالاتعلم نفس وأخلاق - مقالات

الحرية الشخصية بين التحرر والاستعباد.. ماذا يعني أن أكون حراً ؟

– الإنسان حر فيما يفعل ومن حقه التصرف فيما يملك كيفما شاء، فهو مسؤول عن أفعاله أمام الله وليس من حق أحد أخذ ولو جزء من أملاكه؛ فالبقاء للأقوى ولا إشكال فى ذلك فإنها سنة الحياة.

– إن سنة تنازع البقاء معناها أن كل واحد من البشر يسعى لنفسه ويجاهد رفيقه ليستأثر بالمنافع والخيرات دون الآخر بدلا من التعاون معه، وتكون النهاية بفوز القوى وخسارة الضعيف ولا بأس أيضا بموت الضعيف؛ فهذا شأنه أليس كذلك؟

– إنها سنة الحياة كما قلنا، غير أن الإنسان إذا خاطر بوقته وجهده وعمله وفى نهاية المطاف أخذ غيرُه حقه، فلن يعمل الآخر بهمة ولن يطور من قدراته وبذلك تخمد نار النشاط والإقدام الشخصى ويقل الإنتاج فتنهار المنظومة ككل!

-لا تخلطوا بين الحالة الطبيعية والحالة الاجتماعية؛ إن تنازع البقاء أمر صحيح فى المجتمع الحيوانى فيأكل القوى الضعيف، ولكن المجتمع الإنسانى مختلف كل الاختلاف؛ فهذا المبدأ يهدم كل ما بنته الأديان وما وضعه الفلاسفة، إذ ما فائدة الفضيلة والأخلاق ما دام القوى معزورًا فى اعتدائه لأنه يعمل وفقا للناموس الطبيعى. وأخيرا علىّ أن أذكركم بأننا إذا سلكنا نفس المسلك فيمكننا هدم أعمدة البناء علينا وعلى الجميع، فلا عمل بدون عمال والبقاء أيضا للأقوى!

كان هذا اقتباس من رواية “المدن الثلاثة” لفرح أنطون..

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لا أظن أن هناك خلافًا على كون الإنسان كائنًا حرّ الإرادة على خلاف غيره من كائنات كالنبات والجماد والحيوان، فهو يستطيع بملء إراداته فعل حتى ما يخالف غريزته وشهواته أو تغيير قناعاته، وعند ظهور مفهوم الحرية على السطح سنجد أنفسنا أمام آراء مغالية بين إطلاق تام للحرية وبين سيطرة تامة على كل فعل وقول وحتى فكر،

وهذا المفهوم – الحرية – من أكثر المفاهيم تداخلا مع المفاهيم الأخرى المرتبطة بالمجتمع والدين والأخلاق والاقتصاد وغير ذلك من مفاهيم مصيرية، لذلك سنحاول تحليل هذا المفهوم وتبعات كل رؤية له على الواقع لنصل إلى تعريف متناسب مع حقيقة الإنسان ككائن اجتماعى…

الحرية المطلقة

عندما نسمع آراء تؤيد إطلاق الحرية للإنسان فى كل فعل وقول على لسان مذيعينا ومثقفينا فى صورة عبارات من قبيل “هل أصبحنا آلهة لنحكم على أفعال البشر ونحاسبهم؟” “ليس من حق أحد أن يحاسبنى ما دام الله قد خلقنى حرّا وأتاح لى الاختيار حتى بين الكفر والإيمان به”، يغمرنا شعورا رائعا بسبب التحرر من قيود الأسرة والمجتمع بجانب لذة الشعور بالاستقلالية ولكننا أيضا مع القليل من التحليل المتزن سنشعر بالرعب والخوف والقلق مما سيفعله الآخرون بنا من منطلق أنهم أيضا أحرار!

كيف ذلك؟

أليست المطالبة بمثل هذه الحرية المطلقة تعنى أن الآخر حر أيضا فى أن يفعل بك ما يريد فى الوقت الذى يريد وبالطريقة التى يراها مناسبة، بل وممارسة كل أنواع الأذى المادى والمعنوى عليك؟ حتى أنك إذا طالبته بالتوقف سيأتى الرد “لماذا؟ ألست أنا الآخر حر!”

فى منعك من التعبير عن رأيك أو منعك من الرجوع متأخرة إلى المنزل أو ارتداء ملابس بشكل معين أو من ممارسة طقوسك الدينية التّى تخالف معتقداتى أو سرقتك أو التحرش بك أو استعبادك فى العمل أو التعدى على خصوصيتك؟ وكل هذا من منطلق أنه أيضا حر وليس من حق أحد مساءلته؟! فيتحول الأمر إلى غابة البقاء فيها للأقوى!

ستأتى الإجابة مسرعة بعد أن أدرك صاحبنا مدى عدم معقولية هذا الادعاء ومدى الضرر الواقع فيقول: بالتأكيد هناك ضوابط وحدود لا يمكن تخطيها “فأنت حر ما لم تضر”، وما دمت لا أؤذى أحدا، فما الضرر مثلا فى ارتدائى ما أراه مناسبا لذوقى وأن تكون ميولى الجنسية مختلفة أو فى اختيارى المعتقد الذى أتبعه أو فى نشرى لأفكار منافية لعاداتكم ومعتقداتكم أو حتى دينكم؟

 

للإجابة على هذه الأسئلة سنحتاج لإيضاح الفارق بين علاقة الإنسان بالآخر بما تحتويه من أفعال وأقوال، وعلاقة الإنسان بالله أى نيته من وراء الأفعال والأقوال.

هل نحكم أم لا ؟

فى الحقيقة لا يمكن للإنسان الحكم على نية الأشخاص أو مثلا الحكم على ما إذا كان فلانا سيدخل الجنة أو النار، مثال ما حدث مع عالم الفيزياء “ستيفن هوكينج” فلا يمكننا معرفة ما تخفيه نوايا هذا الرجل أو ما كان يفكر به فى آخر لحظات حياته، فمعتقد الشخص فى المقام الأول يعد أمرًا خاصًا بينه وبين ربه، وليس لأحد أن يمنع أو يجبر أحدًا على اعتقاد ما أو التدخل فى نيته ويسأل عما وراء الأفعال، ولكننا مع ذلك لا بد لنا أن نحكم على “أفعال” الآخرين ونقيّمها لنتمكن من معرفة من يمكن الوثوق به والاقتداء به أو من يمكن اتخاذه كشريك حياة أو كصديق مقرب، ومن لا يمكن الوثوق به والاعتماد عليه بل والحذر منه،

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وبما أن الإنسان ليس لديه ما يُمكنّه من معرفة نوايا الآخرين أو التأكد من صحة ما يفصحون عنه فيما يخص نواياهم، فالحكم إذا على الظاهر، وبالطبع الحكم هنا لا يعنى أننا آلهة أو ملائكة أو ملاك للحقيقة، ولكن من أجل حفظ النظام والحقوق وإنفاذ العدالة الاجتماعية التى لا يوجد عاقل إلا ويطالب بها ليتمكن من ممارسة حريته بالشكل الصحيح، وما دام القول والفعل يؤثران فى الآخرين ماديا ومعنويا وجب حفظ الحقوق الفردية والجماعية معا بالاحتكام لقوانين تحفظ أيضا الحقوق المادية والمعنوية معا، وهنا يأتى السؤال أى القوانين من الواجب اتباعها ومن يضع تلك القوانين؟

مسار الحرية في التجربة الغربية

سيقول البعض فلننظر للتجربة الغربية التى جعلتهم أسياد العالم الآن والتى أساسها فصل الدين عن الدولة، أى ترك الحرية الكاملة للإنسان فى اختيار ما يراه صوابا، مثل التوجه الرأسمالى كتطبيق للحرية فى مجال الاقتصاد ومثل حرية اختيار الميول الجنسية وطريقة الملبس أو عدمه فهذه كلها “حريات شخصية”

سنقول بالفعل وصل الغرب لمرحلة فى غاية التطور فى الجانب العلمى والتكنولوجى وازداد معدل دخل الفرد فى العديد من الدول الغربية لما يتخطى حد الكفاية،  لدرجة أن البعض ينتحر من كثرة المال مثلما يحدث فى السويد! ولكن ماذا عن التطور الأخلاقى والمعنوى الذين هما أساس العدالة الاجتماعية والحياة الإنسانية؟

بحث بسيط على جوجل عن هاشتاج #me_too  كافٍ لإظهار مدى التدهور الأخلاقى كنتيجة للحرية الجنسية فى المجتمع الغربى وليس فقط من قبل العامة أو المجرمين بل ومن النخب والمشاهير وحتى رؤساء الدول، والحقيقة أن هذا التدهور الأخلاقى وارتفاع معدلات الانتحار فى كثير من الدول الغربية هو فى الأساس نتاج اختزال الإنسان فيما يملك، ووضع قوانين لا تكفل له حقوقه المعنوية قبل المادية فيتحول المجتمع إلى مجتمع شهوانى أو لنَقُل حيوانيا لا يعترف إلا بحق القوة!

خلاصة القول

١- الحرية المطلقة عبث وفوضى، وتحول المجتمع الإنسانى لمجتمع حيوانى شهوانى غير أخلاقى القوى فيه يأكل الضعيف.

٢- الإنسان حر ما لم يضر وهذا صحيح، ولكن من يحدد الضرر الحقيقى ظاهرا وباطنا؟ ومن يحدد كيف تكون حدود الفرد وكيف لا تتخطى سلامة الكل هو العالم بطبيعة الإنسان ظاهرا وباطنا وهو خالقه سبحانه وتعالى.

٣- إذا اتفقنا على أن هناك إله عادل وحكيم وأنه أرسل لنا قوانين وشرائع تهدى الفرد وتنظم المجتمع وتحفظ الحقوق سواء كانت فردية أو جماعية، قوانين تحمى الضعيف من القوى، إذا سلمنا بكل هذا وجب علينا الخضوع بكامل إرادتنا وهذا يعد فى الحقيقة أعلى مراتب الحرية لأنه نابع من العقل المختار لا من الشهوة الحيوانية غير المختارة،

فكل ما تم تشريعه من الإله فى إطار اجتماعى عدم تنفيذه سيؤدى حتما إلى ضرر اجتماعى كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والاحتشام وغض البصر بين الرجال والنساء والحقوق المالية ونصرة الضعيف واحترام كبار السن والإعراض عن اللغو وغير ذلك من إرشادات؛ فالمنظومة المتكاملة يدعم كل ركن فيها الآخر، والإنسان في المنظومة الإلهية ليس له إلا أن يكون حرا بشروط، فلا مكان للحرية المطلقة إلا للإله.

٤- أما إذ كنا مختلفين فالعقد شريعة المتعاقدين ولا يمكن فرض مرجعية على شخص ما دون أن يقبل هذا الشخص بصلاحية هذه المرجعية عليه وعلى الآخرين، وبالطبع سنجد الكثير من المشتركات الإنسانية التى لا يختلف عاقل عليها لننطلق منها.

اقرأ أيضاً .. صراع القيم

اقرأ أيضاً .. هل يمكن للروبوت صوفيا أن يحكم العالم ويدمر البشر ؟

اقرأ أيضاً ..  حمزة نمرة وأغنيته الجديدة : داري يا قلبي

محمد خيري

عضو بفريق بالعقل نبدأ القاهرة

مقالات ذات صلة