مقالات

الحرب الناعمة (الجزء الثاني) – أمثلة تطبيقية

بعد أن استعرضنا بعضا من تعريفات الحرب الناعمة في الجزء الأول، ننتقل في هذا الجزء إلى التطبيق المباشر الذي تبنته أمريكا كسياسة استعمارية جديدة بدأت بالفعل ممارستها مع الكثير من دول العالم.

فقد أصبحت تلك الحرب بمفهومها الجديد “الحرب الناعمة” جزءا رئيسيا من الخطط والاستراتيجيات الأمريكية في رغبتها السيطرة على موارد وقرارات الكثير من دول العالم المخالفة لها في الرؤية والاستراتيجية.

فقد كشف الصحافي الأمريكي “سيمورهرش” أن عام 2008 أقر الكونغرس الأمريكي تلك الرؤية رسميا، ويؤكد تلك الرؤية بعض من تسريبات موقع ويكيليكس التي يفهم منها البدء المباشر فى تنفيذ تلك الخطط المعتمدة على أسلوب “الحرب الناعمة”، والتي لا تعني فقط استخدام الآلة الإعلامية أو الجانب الثقافي بمعزل عن عمل باقي أدوات السيطرة والضغط المتنوعة، فالحرب الناعمة تشمل جوانب متعددة من الإجراءات منها ما هو خاص بالفضاء الافتراضي ومنها ما هو على أرض الواقع، فبعض مما سرب من ميثاق وكالة المخابرات الأمريكية يشير بين السطور لعمل انقلابات واغتيالات وشراء ذمم كتّاب وصحف ومنصات إعلامية وتسليح جماعات، وما يحدث في العالم اليوم لهو خير دليل على التنفيذ المباشر لتلك الخطط تحت غطاء وعناوين مختلفة.

ومما سبق يمكن أن نستخلص ثلاثة محاور أساسية تعمل من خلالها الإدارة الأمريكية في المنطقة.

المحاور الثلاثة

حيث يمكن أن نصنف المحور الأول بعنوان “دعم وتسليح الجماعات الإرهابية “، والتي تستفيد منها من خلال خطط ممنهجة للضغط وتوظيفها في خلق حالة من الفوضى الأمنية والتي يمكن من خلال تلك الفوضى فرض باقي المخططات وامتلاك أدوات ضغط على الأرض.

والمحور الثاني يمكن أن يصنف في خانة العمل غير الواضح “سري” بحيث يكون قائما على دعم الشخصيات والكيانات لخلق حالة الحرب النفسية وزعزعة الثقة الداخلية للمجتمع وهذا المحور يعد من أبرز ميزات الحرب الناعمة.

أما المحور الثالث يمكن أن نسميه التواصل الإلكتروني أو التواصل عن بعد باستخدام الإنترنت مع تكتلات شبابية نشطة في الفضاء الافتراضي، يكون دوره بث الإشاعات وخلق حالة من الإغراق الإلكتروني حول مواضيع بعينها، كما يرتكز دوره على بث أخبار مزيفة هدفها خلق حالة من الضبابية داخل المجتمع.

المزج بين القوة الصلبة ولناعمة

يتضح لنا أن الحرب الناعمة غير منفصلة عن الحرب الصلبة بل تتناغم معها فقد صرح “جوزيف ناي” قائلا: ” الحفاظ على سطوة القوة الصلبة جوهري للأمن القومي الأمريكي”، وأضاف: “أنا كنائب سابق لوزير الدفاع الأمريكي لا يمكن لأحد أن ينافسني أو يزايد أمامي في مدى معرفتي واقتناعي بأهمية القوة العسكرية الصلبة ولكننا لن ننجح بالسيف وحده.

ولقد نجحنا بمواجهة الاتحاد السوفيتي ليس بالقوة العسكرية والردع العسكري فحسب، وليس من خلال عمليات الحرب الباردة، بل بسبب القوة الناعمة التي قدر لها أن تساعد في تحويل الكتلة السوفيتية من الداخل، ولو استغرق ذلك عشرات السنين. فالعبرة الأهم هي الصبر والنفس الطويل والمزج والتوازن بين القوتين الصلبة والناعمة وتلك هي القوة الذكية”.

وقد أضاف إليها المنظر العسكري التاريخي كارل فون كلاوزفيتز نظرته الثاقبة والعميقة عندما قال: “إن الحرب هي عمليات مستمرة من العلاقات السياسية ولكنها تقوم على وسائل مختلفة. وإن لكل عصر نوعه الخاص من الحروب، والظروف الخاصة، والتحيزات المميزة”.

ويمكن القول بأن الحروب قد اتخذت ثلاثة أشكال حتى وقتنا الحاضر بدءا بالشكل العسكري التقليدي، ويمكننا القول بأن هذا النمط التقليدي قد انتهى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، والنمط الآخر المسمى بالحرب الباردة وقد انتهى بسقوط الاتحاد السوفيتي، أما الشكل الحديث للحرب فهو المتمثل في الحرب الناعمة التي مازالت مستمرة تنفذ على أرض الواقع في أكثر من مكان في دول العالم المختلفة، والتي أصبح فيها لوسائل الإعلام والتصريحات الصحفية والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي الدور البديل للطائرات والقذائف والمدافع.

اقرأ أيضا:

المثالية الوهمية

اللعب على الطريقة الأمريكية!

الحضارة الغربية المتخلفة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى