مقالات

الحرب الناعمة (الجزء الخامس) – المواجهة

نستعرض في هذا المقال سبل مواجهة الحرب الناعمة، والتي لا تنفك عن الصراع الحضاري بين قيم الاستقلال وقيم الغزو، وما تحمله تلك القيم من تداخلات عدة. فيجب أن نفهم أولا أن جوهر الموضوع هو المهم وإن اختلفت المسميات والأدوات.

يمكن تحديد مجموعة من العناصر لمواجهة الحرب الناعمة كالتالي:

1) الاعتراف

لا يمكن مواجهة شيء قبل الاعتراف بوجوده، فلا يمكن للمشككين في وجود مثل هكذا حرب مواجهتها، كما لا يمكن المواجهة دون فهم جيد للأدوات وإجراءات تلك الحرب كما ذكرنا في المقالات السابقة، كما يجب التأكد بوقوعها على أرض الواقع واستمرارها وتطورها وتراكم نتائجها، التي تتطلب رصدها بدقة حتى يمكن تحديد مهام المواجهة. فتلك الحرب وإن كانت معلنة إجمالا، إلا أن طبيعتها وتحركاتها ناعمة وسرية وتعتمد على الخداع.

فهذا جوزيف ناي بنفسه يتحدث عن التعقيد والسرية فنراه يقول: “إن القوة الناعمة هي أكثر من القدرة على الإقناع أو الاستمالة. هي القدرة على الجذب بدون أن تظهر هذه الجاذبية للعيان بصورة ملموسة. وينبغي على الحكومة الأمريكية أن تستعمل كل الوسائل بما فيها الإمكانات الخاصة غير الحكومية كي لا تظهر في خلفية الصورة”.

2) الاستيعاب

استيعاب التفاصيل الدقيقة لإجراءات الحرب الناعمة، هذه الحرب تحتاج لتحضيرات وخطط وتدريبات عالية الدقة ولفترات طويلة معتمدة على سياسية النفس الطويل وتراكم النتائج كما أشرنا، فيجب الفهم الجيد والدقيق لآليات الحرب واستراتيجياتها والتكتيكات التي تمارسها على أرض الواقع، ذلك أن تحديد الرد المناسب وفق الفهم والوقت المناسبين يحقق إفشال مخططات الخصم، فتلك الحرب هي  حرب أفكار يجب فيها التخصص والدراسة والبحث، لبيان صعوبة تلك التكتيكات نرصد بعضا من تنوعها.

فتارة تستخدم التلقين اليومي بهدف زعزعة الثقة، وتارة أخرى تضخم المشكلات البسيطة أو تركز على جانب دون الآخر بهدف استغلال نقاط الضعف، وأن المشاكل تحيط بالناس من كل جانب من جوانب الحياة، كل ذلك وغيره من خلال خبراء ومتخصصين بأساليب الدعاية المبتكرة، كذلك السيطرة الواضحة على أغلب مصادر الإعلام والقدرة على توجيهها بما يخدم أهداف الحرب.

3) الوحدة

وعي ووحدة أبناء البلد الواحد واتفاقهم وانسجامهم حول خطوط عريضة للتعايش، فلا يمكن على سبيل المثال رفض فكرة المحافظة على الدولة في كيان موحد والمحافظة على مؤسساتها وتقويتها والعمل على إصلاحها بدل هدمها، بما يخدم أهداف ومخططات الحرب الناعمة، فهدف إعطاء مبرر لتدخلات العدو لهو أمر يجب أن يكون اتفاقيا بين جميع مكونات المجتمع، سواء من تبني مواقف أو الإدلاء بالتصريحات، فأحد أهم مخططات الحرب الناعمة تفكك الخصم وانقسام مكوناته الداخلية، تلك الصراعات التي تستنفذ القدرات الفكرية والعلمية للمجتمع مما يسمح بزيادة التدخلات وسهولة زعزعة الاستقرار الداخلي لأي مجتمع متنازع داخليا، لذلك وجب في مواجهة الحرب الناعمة الابتعاد عن الخلافات الهامشية والاجتماع حول مبادئ عامة في مواجهة تلك الحرب السرية والمخادعة.

قال صاحب كتاب القوة الناعمة جوزيف ناي: “لقد سدد قادة الاتحاد السوفييتي أهم وأقسى الضربات بحق نظامهم جراء سوء أدائهم، وقد أسدوا للسياسة الأمريكية خدمات لا تقدر بثمن”.

فخلق حالة من الشك والريبة والتردد من سمات المجتمع المنقسم، وتلك هي من أهم أدوات الحرب الناعمة لتمرير باقي مخططات الحرب الناعمة، فخلط الأوراق يضيع البوصلة ويبدل العدو بالصديق، والذي قد يصل بالعدو ادعاء مد يد العون للمجتمع حتى يتسنى له مزيد من التدخل وإرساء المزيد من الانقسام داخل المجتمع الواحد.

إن اللعبة الخطرة في الحرب الناعمة المعتمدة على عالم تكنولوجيا الاتصالات وعصر الانفجار المعلوماتي تقوم في الأساس على الإقناع الجماهيري المعتمد على الحملات الإعلامية، وهو إقناع يختلف عن الإقناع القائم على الفكر المنطقي المبني على إقامة الأدلة المنطقية الواقعية، بل يعتمد على تحريك مشاعر الناس للرفض والإيجاب حول قضايا متداخلة باستخدام أساليب خادعة وكلمات فضفاضة يمرر من خلالها الإعلام قيما ومخططات تعمل على خدمة مشروع الحرب الناعمة.

4) الحضور الفعال في مجال الفكر والثقافة

الحضور الفكري والثقافي القائم على فهم خصوصيات المجتمع، والتفرقة بين الثوابت الفكرية والثقافية للمجتمع والمشتركات الإنسانية، وهذا يتطلب الحضور الفعال في مجال الفكر والثقافة، حيث يعد تغيير الأفكار والقيم من الأدوات الخطرة للحرب الناعمة، وهذا يستوجب مسؤولية كبيرة في عرض المشكلات وإيجاد الحلول بما يوافق مقتضيات الزمان والمكان والتي لا تخلو من الإبداع والجاذبية من حيث العرض للحلول، حيث تعتمد أدوات الحرب الناعمة على عنصر الجاذبية للجمهور لكن من خلال مفاهيم مغلوطة، فيجب التصدي كلا في تخصصه لأن انسحاب المفكرين والعلماء من هكذا صراع يساعد بقوة على تنفيذ مخططات الحرب.

5) معرفة الأهداف

يجب معرفة الأهداف المراد تحقيقها بدقة عالية والعمل على إفشال تلك الأهداف، وقد ذكرنا بعضا منها سابقا من بث الفرقة داخل المجتمع، وإفشاء روح اليأس والإحباط، كذلك قلب الحقائق والمفاهيم وتحويل نقاط القوة إلى نقاط ضعف، رفع شعارات خادعة وبث حالة من الفزع والفوضى.

وهنا يجب على كل مفكر ومثقف التوعية بخطورة هذا الأمر وتوضيح الحقائق للرأي العام، فكلما ارتفع مقدار الوعي العام قلت فرص نجاح الحرب الناعمة، كما يجب العمل بعكس أهداف الحرب الناعمة، فإن كان المطلوب الانقسام كانت الدعوة للوحدة، إن كان المطلوب بث روح اليأس كانت الدعوة لبث روح الأمل أمر واجب.

6) المعرفة المبكرة

المعرفة المبكرة الناتجة عن رصد وفهم طبيعة الحرب الناعمة، تلك المعرفة التي تجعل من التشخيص المبكر للخطوات المبكرة لقادة الحرب الناعمة تعطي الفرصة الأكبر لعمل حائط صد مبكر لها، فكلما كان الرصد مبكرا كانت إمكانية التغلب عليها أسهل، ويمكن ذلك من خلال رصد نقاط الضعف الداخلي التي يمكن أن يلعب عليها العدو، وهنا يجب التأكيد على أن يكون الرصد بشكل شامل لترابط أدوات الحرب الناعمة، كما يجب استشراف سيناريوهات واحتمالات يمكن أن تحدث بحيث تسمح بقدر من المرونة في التعامل معها في الزمان والمكان المناسبين.

7) تنقيح العلوم والمعارف

تنقيح العلوم والمعارف من التوجهات الفكرية والثقافية الغربية غير المنطقية، وذلك برصد أهم الأسس الفكرية الخاطئة التي تروج لها وتقديم نموذج مغاير لها، وفق ثوابت علمية ومنطقية تقدم استدلالات في مقابل حالة عدم اليقين التي يروج لها من خلال الكثير من فروع العلم نتيجة الخلل المنهجي الموجود في الفكر المادي الغربي، حتى لا نقع فيما وقع فيه الفكر الغربي من ثنائيات فكرية متطرفة يكون محصلتها النهائية التطرف،

وهذه قضية محورية في الحرب الناعمة لأن العدو من خلال ترويج نظريات وتغليفها بطابع علمي إنساني أو اجتماعي ينفذ منها لعقول ونفوس أبناء المجتمع ويجتذبهم بعيدا عن الثوابت الوطنية لمجتمع ما، مما يسمح له بتمرير باقي مخططات الحرب الناعمة، فهو يستغل الثغرات الفكرية والعلمية لتمرير أفكاره الهدامة، لذلك كان ضروريا عمل خطة إصلاح وتطوير للمناهج العلمية  لجميع المراحل التعليمية.

8) تحقيق الاستقلال

وأخيرا وليس آخرا يجب تحقيق القدر المناسب من الاستقلال الاقتصادي والفكري والثقافي والخروج من كل برامج وجوانب التبعية، حيث تعد المجتمعات التابعة للغرب هي نفسها المجتمعات المرشحة بقوة لتنفيذ مخططات الحرب الناعمة.

كما أن جوزيف ناي منظر القوة الناعمة ركز كثيرا على قضية الاقتصاد كقوة جذب ناعمة. ففي فصل الموارد ومصادر القوة الناعمة الأمريكية اعتبر أن المؤسسات والشركات التجارية والمهاجرين ورجال الأعمال الأجانب العاملين في السوق الأمريكي وقطاع الأعمال والشركات الاقتصادية العابرة للقارات والرموز والعلامات التجارية مثل كوكاكولا وماكدونالدز وغيرها تأتي على رأس الموارد والمصادر التي تعزز القوة الناعمة الأمريكية.

إن الحرب الناعمة هي حرب مستمرة وتعمل على تراكم  ونقل المجتمعات المراد السيطرة عليها من مرحلة إلى أخرى باعتماد سياسة النفس الطويل، لذلك وجب الوعي والبصيرة  لفهم تلك المخططات والعمل على إفشالها والحفاظ على المجتمعات والأجيال القادمة من خطط الاستعمار الجديد.

اقرأ أيضا:

الحرب الناعمة (الجزء الأول) 

الحرب الناعمة (الجزء الثاني)

الحرب الناعمة (الجزء الثالث)

الحرب الناعمة (الجزء الرابع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى