مقالات

الحرب الناعمة (الجزء الثالث) – “الأهداف”

لا تختلف أهداف الحرب الناعمة من حيث الغرض منها عن الحرب الصلبة، الهدف واحد وإن تعددت الوسائل. فسعي الولايات المتحدة باستخدام أدوات الحرب الناعمة هو لتحقيق نفس أهدافها في أي حرب صلبة تشنها على بلدان العالم، لكن كما ذكرنا أن تكلفة ونتائج الحرب العسكرية المباشرة وحدها لم تعد كافية في الوقت الراهن، ذلك لتغير المعطيات الدولية وتبدل موازين القوى على الأرض من جهة، وضعف الولايات المتحدة من جهة أخرى.

الأدوات المستخدمة في استراتيجيات الحرب الناعمة

فمن تغيير الأنظمة وسرقة مقدرات وثروات البلدان، تظل الأهداف هي نفسها أهداف أي عدوان. لكن في استراتيجيات الحرب الناعمة تختلف الوسائل، حيث يتم استخدام أدوات أخرى لتحقيق أهداف تراكمية تخدم بالنهاية تنفيذ المخطط، ومن تلك الأدوات المستخدمة:

  1. تقديم دعم معنوي وتنظيري لتكتيكات جديدة على أرض الواقع _”الثورة الخضراء” نموذجا. حيث يتم تدريب كوادر وتزويدهم بالأفكار والتجارب كتلك التي حصلت في بعض دول أوربا الشرقية كجورجيا وأوكرانيا. وفي هذا الجانب تختفي أمريكا خلف ستار من جهات لها شرعية عالمية نوعا ما كمنظمات حقوق الإنسان وهيئات تنموية وطبية وغيرها من العناوين المختلفة.
  2. التضييق الاقتصادي على الدول المعنية من خلال حزمة من العقوبات الاقتصادية، حيث تستخدم أمريكا نفوذها الاقتصادي في فرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية على الكيانات والأشخاص بهدف شل الاقتصاد وتقليب الرأي العام الداخلي، وخلق أزمات داخلية تسمح فيما بعد للولايات المتحدة فرض شروط لصالحها.
  3. فتح آفاق تواصل مع الرأي العام الداخلي وشن حملات نفسية وفكرية تكسر فكرة العداء للغرب، والتقليل من شعارات الاستقلال الوطني ورفض التبعية، وترسيخ فكرة عدم الاستطاعة الداخلية لتحقيق درجة من الاستقرار الداخلي بمعزل عن الغرب وإمكانياته.

كل تلك الوسائل تهدف إن صح التعبير لتغيير الشخصية الفكرية والسياسية للدول المستهدفة، كما حدث مع الدول الخارجة من المنظومة الشيوعية ونقلها عبر أسلوب الخصخصة وبيع القطاع العام نحو الرأسمالية واقتصاد السوق (الحر).

  1. استغلال الخلافات الداخلية بين مكونات البلد والعمل على تقويتها وإبراز نقاط الضعف والانقسامات الباطنية داخليا بهدف إضعاف كل الأطراف، بحيث يلجأ الجميع للولايات المتحدة ضد بعضهم البعض، مما يسمح لها بالتحكم بالساحة الداخلية وخلق التحالفات المتصارعة لتوظيفها بما يخدم أهداف الحرب.
  2. تحويل نقاط القوة إلى نقاط ضعف، بتحويل التراث الفكري والثقافي الذي تتميز به الدولة لعبء في مقابل التقدم والحداثة. فثوابت المجتمع من علاقات وأنماط فكرية هي قيم بالية عفى عليها الزمن ولا تستطيع دولة ما التقدم بالتمسك بتلك القيم، كما أن سبيل التقدم يكمن في استيراد القيم والأنماط الغربية في شتى نواحي الحياة، معتمدين في ذلك على نخب تربت ونمت في كنف النظام الثقافي الغربي وتشبعت به من جهة، وتجهيلها التام بثوابت وقيم المجتمع الذي ترغب في تغييره للنمط الغربي، مما يخلق داخل المجتمع حالة من الضعف الفكري والثقافي يجعل أفراد المجتمع في حالة من فقدان الهوية والانبهار بالثقافات الوافدة نتيجة هذا التأكيد على ضعفنا وقوة الطرف الاخر.

الحرب الناعمة كمنظومة متفاعلة

وجدير بالذكر أن تلك المعلومات لم تعد سرية فقد انتشر على موقع يوتيوب الكثير من الفيديوهات حول هذا الأمر، حيث تعتمد الحرب الناعمة على نقطة غاية في الحساسية، تعتمد فيها على استغلال غفلة خصمها ونقاط ضعفه. الحرب الناعمة  تعمل كمنظومة متفاعلة تحاول إحداث تأثيرات إجمالية تخدم خطة السيطرة، فالحرب الناعمة نتائجها تراكمية تتوسع وتتضاعف، حيث تضاف لرصيد المهاجم من جهة، وتخصم وتضعف الخصم من جهة أخرى.

وهذه المعادلات شرحها بدقة ودهاء كبير المنظر للقوة الناعمة “جوزيف ناي” قائلا: “إن القوة الناعمة تعني التلاعب وكسب النقاط على حساب جدول أعمال الآخرين بدون أن تظهر بصمات هذا التلاعب، وفي نفس الوقت منع الآخرين من التعبير عن جدول أعمالهم وتفضيلاتهم وتصوراتهم الخاصة، هي علاقات جذب وطرد وحب وكراهية وحسد وإعجاب”.

كما حدد “جوزيف ناي” مصادر وموارد القوة الناعمة الأمريكية في محاور ثلاث:

  • تعزيز دور القيم والمؤسسات الأمريكية مقابل إضعاف قيم ومؤسسات الخصم.
  • تلميع وزيادة تأثير الرموز الأمريكية مقابل إضعاف رموز الخصم.
  • تلميع صورة أمريكا نفسها من خلال التأكيد على سعيها للدفاع عن حريات الشعوب ومساعدتهم في التخلص من الحكم الدكتاتوري في مقابل ضرب سياسات الخصم.

كما حدد ” جوزيف ناي” أدوات تلك القوة الناعمة كالتالي:

  • الإعلام وصناعة السينما والفن بصفة عامة.
  • المؤسسات الجامعية والعلمية ومؤسسات إنتاج الأفكار.
  • قطاع الاستثمار وجذب رجال الأعمال للعمل وفق المنظومة الاقتصادية الأمريكية.
  • شبكات التواصل الاجتماعي والفضاء الافتراضي عموما.
  • المؤتمرات وبرامج التبادل الثقافي التي تنظمها المؤسسات المعنية الأمريكية.
  • الشركات العابرة للقارات باستخدام نفوذها المالي والاقتصادي على الأرض.
  • مؤسسات التنمية ووكالات المساعدات والإغاثة التابعة لأمريكا.

أهم نقاط الخديعة في الحرب الناعمة

وبناء على ما سبق فكل موارد ومصادر للقوة عند البلد المراد السيطرة عليها هو هدف للحرب الناعمة، فالقوة الناعمة قائمة على تنسيق عالي الدقة، حيث تعطي أولوية عظمى للأطراف المتحاورة _من يتحدث مع من وفي أي موضوع.

كما تهتم  بالغ الاهتمام لسيناريوهات الأحداث، حيث الفائز في الحرب الناعمة من تفوز روايته  للأحداث الجارية والتاريخية. كما تعد أهم نقاط الخديعة في الحرب الناعمة والتي تعد جزءا من طبيعتها المخادعة  أن “أفضل الناطقين باسم الأفكار والأهداف الأمريكية “هم غير الأمريكيين أي الوكلاء المفترضين للفكر الأمريكي.

وتحتاج الحرب الناعمة لتنسيق عال الدقة من حيث التوقيت وتنسيق الجهود وتكامل أهدافها، من رفع شعارات وتحديد مطالب مثل الديمقراطية والحرية وغيرها من المطالب المشروعة لدى الجميع.

فبعد تهيئة المسرح لبداية الأحداث والإجراءات تبدأ نتائج الحرب في الظهور، من خلال الأحداث المؤثرة لبلد ما مثل الإنتخابات وقضايا الرأي العام والعلاقات الخارجية، حيث تسعى الحرب الناعمة لعملية اجتذاب الناس نحو بيئة الحرب الناعمة من خلال شعارات ومطالب مشروعة ظاهريا لكن يتم توجيهها وفق مخططات الحرب الناعمة مما يصب في تحقيق النتائج التراكمية من إضعاف البلد المراد السيطرة عليه.

اقرأ أيضا:

الحرب الناعمة (1) – التعريف

الحرب الناعمة (2) – أمثلة تطبيقية

 كل ما يحيا يسعى نحو السيادة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى