مقالات

الحرب الأهلية الأمريكية

في جنوب شرق الولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد في ولاية جورجيا يوجد مكان وجبل اسمه stone mountain جبل الحجارة، هذا المكان عبارة عن غابة بجوار بحيرة، في وسط هذا المكان يوجد جبل عليه أكبر لوحة جدارية في العالم!

ما المرسوم في هذه اللوحة الضخمة؟

مرسوم أكبر ثلاثة زعماء للولايات الجنوبية التي حاولت الاستقلال والانفصال عن الولايات المتحدة الأمريكية في سنة ١٨٦١، وقامت بسبب ذلك الحرب الأهلية الأمريكية بين سنة ١٨٦١ وسنة ١٨٦٥، وحين تسير في هذه المنطقة تستشعر روح ولايات الجنوب وغضبها المكتوم حتى اليوم بسبب انتصار ولايات الشمال، ستجد علم كل ولاية من ولايات الجنوب، ومتى انفصلت وانضمت إلى الكونفدرالية الجنوبية ضد الشمال.

ملحوظة.. من حق أي ولاية أن تنفصل عن الاتحاد الأمريكي، هذا كان حقا دستوريا، لأن الاتحاد الأمريكي حين تكوّن تم بناؤه على أساس أن مجموعة دول (ولايات) مستقلة تتحد مع بعضها بالتراضي وليس إجبارا!

في هذه الحرب الأهلية بين ولايات الشمال (الاتحادية) وولايات الجنوب (الكونفدرالية) مات وأصيب نحو اثنين مليون إنسان!

وهذه الحرب البشعة بين ولايات الشمال والجنوب في أمريكا تسببت في عاهات كثيرة، لأن في هذه الحرب كانت الأسلحة النارية تطورت والمدافع الرشاشة، بينما لم يكن الطب تطور بعد بما يكفي، فكان العلاج الوحيد لكل الإصابات هو البتر! ولم يكن اختراع تثبيت الكسور أو المضاد الحيوي قد ظهر بعد.

كثير من التزوير

وقصة هذه الحرب الأهلية فيها الكثير من التزوير! كثيرا ما يقولون أن هذه الحرب بين الشمال والجنوب كانت في سبيل تحرير العبيد، لكن وقائع التاريخ تقول غير ذلك، في ١٨٦٠ حدثت انتخابات أمريكية ونجح فيها أبراهام لينكولن، ولكن ولايات الجنوب كانت تؤيد مرشحا آخر، تماما مثل قصة ترامب وبايدن في انتخابات أمريكا الأخيرة! واحتجاجا على هذه النتائج قررت الولاية تلو الأخرى الانفصال عن هذا الاتحاد.

من حقها! وهذا سبب الخوف الشديد من ما فعله ترامب بعد الانتخابات الأمريكية الأخيرة ورفضه نتائجها، واحتشاد أنصاره في ولايات عديدة! وبالتالي انفصلت الولايات وكونت ما يسمى اتحاد كونفدرالي، لكن قرر أبراهام لينكولن رفض هذا الانفصال، وأعلن الحرب في ١٨٦١ بعد سنة من انتخابه.

وانقسمت الولايات المتحدة الأمريكية إلى ثلاثة أجزاء:

ولايات الاتحاد الشمالي

ولايات الكونفدرالية الجنوبية

ولايات الغرب أغلبها وقفت على الحياد

قراءة لما حدث

وفي البداية كانت كفة الحرب لصالح قوات الجنوب الكونفدرالية، وهي ولايات تعتمد على الزراعة والعبيد، بينما ولايات الشمال غنية وتعتمد على الصناعة، وبما أن الانتصار في النهاية يكون في صالح الاقتصاد الأقوى الذي يتحمل نفقات الحرب الطويلة وتصنيع السلاح،

فكان طول الحرب سببا في هزيمة الجنوب اقتصاديا ثم عسكريا، ولكي يضرب أبراهام لينكولن اقتصاد الجنوب واتحاده أطلق قانون إعتاق العبيد Emancipation Proclamation، أصدر قانون تحرير العبيد سنة ١٨٦٣ أي بعد سنتين من بداية الحرب!

وبالطبع كانت النتيجة هروب الكثير من العبيد من صفوف الجيش الجنوبي ومن مزارع الولايات الجنوبية، وفتح جبهة جديدة على ولايات الجنوب.. جبهة داخلية بين ملاك العبيد والعبيد، مما أدى إلى تفتت المجتمع الجنوبي وهزيمته أمام الشمال الصناعي.

وإلى اليوم من يزور ولايات الجنوب (جورجيا، تكساس، ألاباما، أركنساس، كنتاكي، إلخ) سيشعر بروح الجنوب الغاضبة التي لم تنس هزيمة حدثت منذ ما يقرب من ٢٠٠ سنة، يداري هذا الغضب طبقات كثيرة جدا، لكن من يفهم التاريخ والبشر يشعر به في الكثير من المظاهر الخفية، هذا لا يعني أن ولايات الجنوب كانت على حق، ولا ولايات الشمال كانت على حق، ولا تعاطف أو تأييد لطرف ضد طرف، إنه فقط قراءة لما حدث، وتفاصيل ما لا يحكيه الإعلام لنا!

فهم التاريخ وسنن الله في الكون تجعلك تفهم الكثير مما يحدث حولنا اليوم، ويساعدك على رؤية المستقبل بوضوح أكثر.

اقرأ أيضاً:

هل الإعلام وسيلة لتشكيل الرأي العام أم وسيلة مؤدلجة لصناعة القيم؟

الصين وأمريكا عملاقان متصارعان

التاريخ كما يجب أن يكون

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس

مقالات ذات صلة