مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

التفكير العلمي والتصدي للشائعات (1)

إنَّ حرب الشائعات إحدى أهم أسلحة الجيل الرابع من الحروب، حيث تُعد معركة للسيطرة على عقول الشباب من خلال الخداع النفسي وبث الأكاذيب وترويج المغالطات واللعب على المفارقات، والخروج عن مقتضيات التفكير المنطقي والتفكير العلمي وخاصة التفكير الناقد.

أصبحت الشائعات السلاح المعاصر والآداة التي تُستخدم لافتعال الأزمات لهدم الدول؛ فهي تُعد من أخطر أنواع الحروب، حيث تستغلها الدول المعادية لنشر الأكاذيب، حيث لم تصبح الحروب اليوم تقليدية كما كانت بالسلاح، ولكن أصبحت تقام الحروب خلال نشر الشائعات والأكاذيب التي تُهدِّد استقرار الدول.

إذن؛ كيف يمكننا مواجهة حروب الشائعات المنتشرة هذه الأيام؟!

لمواجهة هذه الظاهرة لابد أن نتفق على قاعدة أساسية وهي: (إذا كانت الشائعات و الأكاذيب ظاهرة سلوكية؛ فإن الفكر هو المسئول عن السلوك؛ اضبط الفكر ينضبط السلوك)، والكاتب يُحاول من خلال هذا المقال ضبط الفكر وزيادة الوعي لدى الشباب وتسليحهم بسلاح النقد لمواجهة هذه الحروب الثقافية الأمنية المخابراتية السياسية الاقتصادية الاجتماعية وليست حروب جيوش نظامية.

نسمع كثيرًا هذه الأيام عبارة “كلمني كلام منطقي” أو “كلامك غير منطقي أو منطقي” فما هو الحديث المنطقي هذا؟

في البداية لابد أن نَعرِف أن علم المنطق هو العلم الذي يَدرُس أساليب التفكير السليم، والتفكير المنطقي هو التفكير الذي تلزم نتائجه لزومًا منطقيًا عن مقدماته، والتفكير العلمي هو أسلوب منهجي مُنظَّم يأتي من البحث والتفكير. يحتوى على مرحلتين أساسيتين وهما؛ أولًا: مرحلة التشخيص الجيد للمشكلة، ثانيًا: مرحلة اقتراح حل مناسب لها، حيث يعتمد الأسلوب العلمي على اتِّباع خطوات مرتبة يُمكن على هُداها الوصول بطريقة منطقية إلى أنسب الحلول للمشكلة، في ضوء الظروف المحيطة بالموقف.

فما هي -إذن- مراحل التصدي لحرب الشائعات الدائرة هذه الأيام طبقًا لأساليب التفكير العلمي؟

أولاً: نشر الوعي بأساليب حروب الجيل الرابع وخطورتها ومخططاتها

فالخطوة الأولى الرئيسة هي الوعي؛ أي توعية المجتمع بخطورة أساليب حروب الجيل الرابع القائمة على المغالطات والمفارقات وبث الشائعات و الأكاذيب  وليس على الحقائق، حيث تقوم الدولة بتكثيف جهودها حول توعية المواطن حول حقيقة ما يُحاك ضد بلادنا من مخططات تهدف لإضعافنا وتفتيت بلادنا.

ثانيًا: التعليم الجيد لأساليب التفكير وخاصة أسلوب التفكير الناقد

يمكن التصدي لهذه الحروب خلال التعليم الجيد والعمل على تدريب الشباب على التفكير الناقد وأسسه وأساليبه. (كيف تُفكر تفكيرا ناقدا؟!… كيف تنظر للشائعات نظرة نقدية؟!… كيف تُفرق بين المعلومة الصحيحة والمعلومة الخاطئة؟!).

قد تسمع يومًا ما عن شائعة معينة، يعرض أمامك حيالها سيل جارف من المعلومات والأخبار، وبعدها تبدأ التحليلات؛ فتجد عند استماعك لأحد الخبراء أو المحللين أنك تميل إلى رأيه، ثم عندما تستمع إلى خبير أو مُحلل آخر يعرض وجهة نظر معاكسة؛ تجد أن كلامه مُقنع أيضًا، وهنا تبدأ الحيرة، والشائعات الكاذبة التي انتشرت في الشهور القليلة الماضية وتحليلات ضيوف برامج “التوك شو” مثال حي على ذلك.

إذن؛ كيف تتمكن من تكوين رأي خاص بك؛ يمكنك من نقد أحد الأطراف ومعرفة لماذا هو مُخطئ؟!

قد يتساءل البعض: ما أهمية التفكير الناقد؟! والجواب هو؛ أنه مفيد جدا لمساعدتك على تكوين رأي خاص بك في مواجهة الشائعات و الأكاذيب والمعلومات الكثيرة والآراء والخيارات المختلفة.

كذلك يساعدك التفكير الناقد على التخلص من آراء واعتقادات خاطئة، ربما تكون قد أُمليت عليك في الماضي، فصرت مقتنعًا بها دون أن تعرف سببًا حقيقيًا لهذا الاقتناع. هذا الأمر حدث معنا جميعًا في المدارس عندما كنا أطفالًا، وعندما كبرنا اكتشفنا أنه ليس كل ما تعلمناه كان صحيحًا.

إذن؛ فلابد من تكوين آرائنا الخاصة بناءً على قناعاتنا نحن، وليس كما يريد غيرنا أن يوجهنا. ولكن كيف يتم ذلك؟! يتم ذلك من خلال استخدام خطوات المنهج العلمي في التفكير!

ثالثًا: التوعية بخطوات المنهج العلمي في التفكير

تعريف الشباب بخطوات المنهج العلمي في التفكير وكيفية استخدامها في تشخيص وحل المشكلات، وعدم اتباع الطرق التقليدية في التفكير التي قد يختلط – بسبب عدم منهجيتها – العرض بالمرض.

من خطوات التفكير العلمي الآتي:

-حدد المشكلة تحديدًا دقيقًا وواضحًا؛ ابدأ بتجزئة الأمر إلى عدة أجزاء، وناقش في كل مرة جزئية واحدة. إذا شعرت أن كلام الشخص الذي أمامك غير واضح، اطلب منه إعطاء أمثلة وبراهين محددة على صحة كلامه. أيضًا لا تستعجل إصدار أي رأي قبل أن تكون متأكدًا تمام التأكد من صحة الأخبار التي نُقلت إليك.

-رَكِّز على النقطة الرئيسية؛ لكن لا تغفل التفاصيل، ولا تدع المُحاور يشغلك بالتفاصيل.

-حدد غرضك/ هدفك من حل المشكلة.

-اجمع معلومات كافية عن المشكلة.

-اطرح بدائل/ فروض مختلفة لحل المشكلة.

-اختبر البدائل التي وضعتها لحل المشكلة.

-وَازن بين العقل والعاطفة.

-ابتعد عن التحيُّز، ولا تتعجل إصدار الأحكام.

-الوصول إلى الحل المناسب وتطبيقه وتعميمه على الحالات المشابهة.

إذا طَّبق كل منَّا هذه الخطوات تطبيقًا جيدا؛ فإنه لا يمكن لأحد أن يُوقعه في شرك الأكاذيب أو الشائعات أو المغالطات، وأصبح يتسلح بسلاح التفكير العلمي القائم على خطوات مُنظَّمة ودقيقة.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

الشائعات المدمرة – كيف يتم تداول الأخبار؟

ضرورة قواعد التفكير المنطقي للعقل

دراسة العلوم العقلية وتأثيرها على الواقع الفعلي

اظهر المزيد

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى