مقالات

التعليم في العصر الرقمي – كثير من المعرفة وقليل من الفهم

ساهمت استخدامات التكنولوجيا الرقمية الحديثة في تحويل التعليم وتطوير المهارات إلى عملية مستمرة مدى الحياة؛ حيث يتحتم على الناس الذين يريدون أن يتعايشوا مع العصر الرقمي أن يواصلوا تطوير وتحديث مهاراتهم ومعارفهم، لكي يُجاروا الابتكارات المستمرة والتطورات الجديدة التي تحدث كل يوم في هذا العصر الرقمي، وجني أكبر قدر ممكن من ثمارها،

حيث هناك من يرى أنه ينبغي تحديث المهارات التكنولوجية كل ثلاث سنوات من أجل المحافظة على صلة مستمرة، وهناك من يرى ضرورة تحديث هذه المهارات سنويا لمجاراة التطور السريع للآليات والإمكانات الرقمية.

يتسم التعليم في العصر الرقمي برقمنة كل محتوى تعليمي وتحويله إلى صورة رقمية، مرئية كانت أو مقروءة أو مسموعة، أو تجمع بين الرؤية والقراءة والسمع، يمكن الوصول إليها سواء على الحاسب الآلي المتصل بشبكة الإنترنت أو غير المتصل بها، بصورة نصية أو تفاعلية ميسرة وسريعة.

من ثَم لا يناقش هذا المقال قضية كيفية وصول المعلومة، ولا شكل وصولها، وإنما يناقش الهدف من تلقي المتلقي لهذه المعلومة. هل الهدف من التعليم الرقمي المعرفة أم الفهم؟ أم المعرفة والفهم معا؟

المعرفة القائمة على العقل:

للأسف يمكننا الجزم بأن التعليم في العصر الرقمي في شكله التقليدي، والتعلم الذاتي الرقمي أسهما في زيادة المعلومات والمعارف، وأديا إلى تقليل الفهم. إن المعرفة القائمة على العقل تلعب دورا أساسيا في المجتمع؛ حيث هناك ما هو أكثر من مجرد الحصول على المعلومات،

إننا بحاجة إلى التأمل العقلي المعرفي المشحون بالقيم والمنهجية والغائية؛ حيث إننا بحاجة إلى زيادة الفهم إلى جانب المعرفة لتحقيق معادلة التعليم الجيد في العصر الرقمي، وتحقيق المهارات العلمية المستهدفة، ولسنا في حاجة إلى جمع البيانات والمعلومات وحفظها بصورة تشبه الصورة الآلية الديناميكية فقط.

هناك سيل جارف من البيانات والمعلومات والمعارف التي يكتظ بها الغلاف المعلوماتي هذه الأيام، وهو في تزايد مستمر. لكن الغالبية العظمى من هذه البيانات والمعلومات والمعارف غير مهيكلة أو عشوائية، ومع تداخل هذه المعلومات المهيكلة وشبه المهيكلة وغير المهيكلة، وعدم قدرة المتعلم التفرقة بينها، تكون النتيجة غير مُرضية،

وهي مُتعلم لديه ذاكرة من المعلومات والمعارف لا يحسن معالجتها، وما يترتب على ذلك من عدم التوظيف الجيد للمعلومة أو تطبيقها واستخدامها في مكانها الصحيح، الأمر الذي يترتب عليه تخريج جيل من متعلمي العصر الرقمي يحفظ كمّا كبيرا من المعلومات والمعارف ولا يفهم منها إلا القليل؛ حيث إن هناك عددا قليلا من المتعلمين هذه الأيام من لديهم إمكانات التعامل مع العصر الرقمي، حيث تبقى قدراتهم في كثير من الأحيان سطحية وغير معمقة.

مهارات العصر الرقمي:

وللقضاء على ظاهرة متعلمي وباحثي العصر الرقمي، الذين اكتسبوا قدرة كبيرة على تجميع كثير من البيانات والمعلومات ورصها إلى جوار بعضها دون ربطها بعضها ببعض، ولا معالجتها ووضعها في شكل مقدمات نستخلص منها نتيجة مفيدة، يجب على معلمي ومتعلمي وباحثي العصر الرقمي التسلح ببعض المهارات المهمة التي يطلق عليها بشكل عام “مهارات العصر الرقمي”.

من ثم، لابد لنا في العصر الرقمي من التفرقة بين نوعين من المهارات: النوع الأول مهارات استخدام تقنيات العصر الرقمي، والنوع الثاني مهارات التكيف مع العصر الرقمي.

من هذا المنطلق يمكننا الإشارة إلى أن العملية التعليمية في العصر الرقمي تتكون من أربعة ركائز أساسية، الركيزة الأولى هو المعلم، والركيزة الثانية هي المحتوى التعليمي الرقمي، والركيزة الثالثة هي الوسيط الرقمي، والركيزة الرابعة هي المتعلم، وتحتاج العملية التعليمية بركائزها الأربعة إلى هاذين النوعين من المهارات.

  • مهارات استخدام تقنيات العصر الرقمي:

تحتاج هذه المهارات إلى مختصين في الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات؛ لتدريب المعلمين والمتعلمين على فهم وإتقان هذه المهارات الضرورية التي تعتمد على الآلة اعتمادا كبيرا، بحيث يمكن من خلال هذه المهارات التعامل مع الوسيط الرقمي وإدارته إدارة جيدة، للتأكد من إمكانية استخدام المعلم للوسيط الرقمي، وكذلك تلقي المتعلم للمحتوى التعليمي الرقمي بشكل كامل، فلابد أن يمتلك المعلم والمتعلم المهارات اللازمة لإدارة الوسيط الرقمي واستخدام إمكاناته استخداما جيدا يحقق الاستفادة الكافية من عملية التعلم.

  • مهارات التكيف مع العصر الرقمي:

أما عن هذه المهارات فهي في غاية الأهمية، حيث تمكن الفرد من الغوص في بحور الرقمية والملاحة فيها، وجني أكبر قدر من ثمارها الناضجة النافعة، التي بامتلاكها يمكن للمعلم ممارسة دوره الإرشادي التوجيهي الجديد، الذي من خلاله يدل طلابه ويرشدهم إلى الاتجاه الصحيح، ويمكن كذلك للمتعلم تلقي المعلومة وتقيميها وفهمها وتوظيفها توظيفا جيدا، وتجنب كثير من سلبياتها ومخاطرها أيضا، وليس الاكتفاء بمجرد وصول المعلومة والاحتفاظ بها فقط.

إن هذا النوع الثاني من المهارات يحتاج إلى تكاتف مختصين في علوم كثيرة؛ حيث من سمات التعلم في العصر الرقمي بروز العلوم والدراسات البينية التي يدخل في عملية إنتاج المعرفة بها أكثر من اختصاص، بحيث يحتاج المعلم لهذه المهارات في الشرح والتوضيح والإرشاد، وتجميع البيانات والمعلومات الكافية لإعداد المحتوى التعليمي الرقمي الذي يحقق المستهدف من التعليم، ويحتاجها المتعلم كذلك لإكسابه القدرة على التفريق بين الغث والسمين من المعلومات والمعارف التي تعرض أمامه، سواء في عملية التعليم النظامي أو التعلم الذاتي،

ومن أهم المهارات التي يجب أن يتحلى بها المعلم والمتعلم في العصر الرقمي الآتي: مهارات التفكير النقدي والحكم على الأمور، ومهارات تشخيص وحل المشكلات، المهارات التحليلية، والتفكير العقلاني المتبصر، فن التواصل، والمرونة الشخصية، والعمل الجماعي، وتقبل التعددية الثقافية، أخلاقيات التعامل في العصر الرقمي، الصبر واستمرارية تطوير الذات، فن إدارة المعرفة، مهارة التحقق من صحة المعلومات، الأمن المعلوماتي وحماية الشبكات.. إلخ، وغيرها من المهارات التي تقترب من العلوم الإنسانية أكثر من العلوم التكنولوجية الخالصة، الأمر الذي يتطلب دراسة فلسفية للآثار العميقة لهذا التحول الرقمي.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

لماذا التعليم؟

مقاربة فلسفية للعلوم التي صاحبت العصر الرقمي

تنشئة الأجيال الجديدة وعملية التعليم

اظهر المزيد

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى