مقالات

“التعقل ودحض الهيمنة الثقافية”

تتجسد الثقافة في الإسهام العقلي لمختلف فروع المعرفة الإنسانية، وهو ما تبني عليه الأمم حضارتها، وبما أن الحضارة هي التطبيق العملي لذلك التراث الثقافي، فهما إذن معيار تقدم الأمم وانحطاطها.

كما أن العلاقة بين الثقافة والحضارة علاقة طردية شريطة التطبيق العملي، فكلما ازدادت الثقافة في أمة من الأمم ازدادت حضارتها، وكلما ضعفت الثقافة في أمة من الأمم ضعفت حضارتها، فالثقافة أشبه بالبناء التحتي التي تبني عليه الأمم حضارتها، فلا وجود لحضارة دون ثقافة تشكل وعيها وتنير عقول رجالها. ويخضع ذلك التشكيل لكثير من التحديات من قبل هيمنة الحضارات المتقدمة على الأمم المتأخرة خاصة في عصرنا الراهن.

فتمر الحضارات عبر تاريخها بمراحل تقدم وتأخر، ازدهار وانهيار نتيجة لمتغيرات عديدة من أهمها: الدينية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.. إلخ، وتخضع الحضارات لها تارة بشكل مباشر وتارة أخرى غير مباشر.

ثقافة الهيمنة

وفي ظل الصراع الحضاري بين كل من: الحضارات المتقدمة بعضها مع الآخر من ناحية، وبين تلك الحضارات المتقدمة وبين الأمم النامية من ناحية أخرى تتجسد ثقافة الهيمنة. فكل حضارة من الحضارات المتقدمة تسعى لفرض ثقافتها على ثقافات الأمم المتقدمة الأخرى بشتى الوسائل الإبستمولوجية، والتكنولوجية، والسياسية، والاقتصادية.. إلخ خلال فرض لغتها وفكرها ودينها و.. إلخ.

وفي مقابل تلك الهيمنة الثقافية ينشأ رد فعل ثقافي من قبل الأمم التي لها من القوة ما يؤهلها هي الأخرى على محاولة فرض ثقافتها بشكل أو بآخر، ونتيجة للفعل الثقافي الأول ورد الفعل الثقافي الثاني يتنامى سياق ثقافي مختلط من الثقافات المتصارعة ذي اتجاهات مختلفة ومتنوعة ومتباينة، وفي ظل كل من: العولمة، والقرية العالمية، والتكنولوجيا ينتشر بشكل فائق السرعة ذلك الخليط الثقافي، والذي يكاد يعبر عن رؤى متناقضة في جوهرها ومتسقة في ظاهرها.

فعلى الرغم من الإيجابيات الكثيرة لذلك الخليط إلا إنه يؤثر سلبا على الثقافات النامية، لأنها ستنهل منها ما لا يتفق وتكوينها الفكري، والثقافي، والاجتماعي، والديني، وذلك بسبب ضعف وعيها بما يتفق ولا يتفق معها.

فثقافة تلك المجتمعات النامية ليست بالقوة لتصمد أمام ثقافات الأمم الديناصورية. وقد يوجد تراث ثقافي كان بالغ الأهمية في فترة ما لأمة من الأمم قديما، إلا إنه ونتيجة لغياب الوعي الثقافي والقومي لأهميته قد تُصبغ ثقافته عن قصد بدعوى التحرر من الموروث وتبني أفكار غير شرعية له بدعوى الحداثة، أو عن دون قصد نتيجة للجهل بأهمية موروثه ومكانته الحضارية، فيتدنى ويصبح وجوده وعدمه سواء.

ضرورة التسلح بأدوات التنمية

فمن أجل أن يصبح الصمود الثقافي على الوجه الأمثل، يجب على تلك الحضارات أن تتسلح بأدوات التنمية الثقافية من ناحية، وأن تقوم بإعادة إحياء تراثها الفكري بمفاهيم حداثية من ناحية أخرى؛ لتلحق بركب السياق الثقافي العالمي، وهذا من شأنه أن يخلق نوعا من الوقاية الذاتية ضد الأمراض التي تنشأ من الداخل من ناحية، وضد الأمراض التي تهاجمها من الخارج من ناحية أخرى، وهذا ما يجعل الأمم النامية بمثابة ابنة غير شرعية لثقافات أمم تختلف في تكوينها الفكري والحضاري عن تكوينها الخاص.

فبفعل هذه التنمية واستمراريتها تجعلها تقف بقوة ولتأخذ بنصيب كبير في حلبة الصراعات الثقافية المعاصرة. كما أن تدعيم تلك التنمية الثقافية بالتجديد الديني خطابا وفكرا في ظل قوة اقتصادية وسياسية يجعل لديها القدرة على تحصين ثقافتها وقائيا من أي مرض خبيث قد تسببه عوامل داخلية أو خارجية بل وتجعلها تشارك في حلبة الصراعات العالمية، حتى ولو لم تتمكن من فرض ثقافتها فيكفيها شرف المشاركة.

كما أن حضور ثقافة الهيمنة في السياقات المعاصرة تطرح العديد من الإشكاليات المعاصرة، إذ تطرح إشكالية أخلاقية تتمثل في مدى اتفاق أخلاقيات تلك الهيمنة مع السياق الأخلاقي الذي يتغلغل في بنية المجتمع، كما تطرح إشكالية دينية تتمثل في مدى اتفاق الرؤى الدينية لتلك الهيمنة مع الموروث الديني للمجتمع، وغيرها الكثير من التحديات الحداثية الأخرى.

فعندما تُطرح مثل هذه الإشكاليات نجد ردود أفعال متباينة بين “مؤيد” لقبول تلك الهيمنة بل والسعي نحو التكَيف معها وتبنيها والدعوة إليها والتحرر من الموروث الثقافي، وبين “معارض” لها من مُنطلق الحفاظ على الموروث بشتى أشكاله وأنواعه، وبين هذا وذاك نجد من يتبنى تلك الهيمنة ولكنه لا يقبلها بمثل تلك الصورة الصارخة بل يقبل أمورا منها ويرفض الآخر. وتوجد ردود الأفعال هذه عند غالبية الطبقات الاجتماعية والتي تعبر عنها كل منها بأسلوبها، وطريقتها، ومنهجها الخاص بها.

التعقل خير سلاح

فالتعقل والتروي والإلمام بالسياقات التاريخية والحضارية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والدينية هو ما يجعل لدى الإنسان الفرد والإنسان المؤسسي القدرة على استشراف المستقبل بشكل حضاري بل وإدراك وجوديته وكينونته في مفترق الصراعات المختلفة التي يعيش في كنفها، ويمكن من خلال ذلك أن يخلق الإنسان لنفسه سياقا خاصا به؛ ليحيى فيه بما يتفق وعقله ومنطقه من ناحية، وموروثه من ناحية أخرى.

فكثير ما تجهض تلك المحاولة بمجرد التفكير فيها، وذلك لخضوع الإنسان للهيمنة الثقافية الخارجية التي يمكن لها أن تسييره وفقا لرغباتها وأهدافها وسياساتها بل وتجعله بمثابة دمية صغيرة أو إنسان آلي يُسيَّر عن بعد.

فإيمان الإنسان الداخلي باستقلاليته تجعل لديه القدرة على انتقاء ما يتفق معه ورفض ما يتعارض معه، وهو ما سيجعل العلاقة بينه وبين الهيمنة الثقافية علاقة حرية واختيار، وليس علاقة هيمنة وإجبار، هذا فضلا عن القدرة على ممارسة فعل التعقل حتى لأولئك الذين يمتلكون الحد الأدنى منه، أما من لا يعي استقلاليته، فإنه يتجرد من ممارسة فعل التعقل الذي هو خير سلاح لمحاربة الهيمنة بكل صورها وأشكالها وأنواعها.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

الفكر المادي يطلق العنان للسوبر مان

الثقافة وأزماتها

الفكر والثقافة وتداولهما بين الدول 

اظهر المزيد

د. غلاب عليو حمادة الأبنودي

مدرس اللاهوت والفلسفة في العصور الوسطى ، قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة سوهاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى