مقالات

نظرية التطور في ميزان العقل.. ما مدى صحة ما توصل إليه داروين ؟

يقدم لنا العلم نظريات تقوم بتفسير نشأة الكون وبدايته والعوامل التي أدت لظهور عالمنا كما نعرفه الآن والظروف التي أدت إلى ظهور الحياة هيأته لتبدأ عليه الحياة، ومن النظريات التي أثارت جدلا كبيرا منذ ظهورها وحتى وقتنا هذا هي ” نظرية التطور ” التي حاول عالم الأحياء الشهير”شارلز داروين” من خلالها تفسير كيفية تطور الكائنات الحية وطريقة تكيفها مع الظروف البيئية المختلفة إلى أن بدأت حياة أول “بشري” على سطح الأرض؛

فالنظريات العلمية التي من خواصها الأساسية القابلية للتعديل والتغيير بل والتكذيب في بعض الأحيان، أدت إلى صراع كبير بين المؤمنين والملحدين وأدت أيضا إلى تحول الكثير من المتدينين إلى الإلحاد بل وصل الأمر إلى أن جعلت بعض المؤمنين يعتقدون بأن الاعتقاد بصحة أي من هذه النظريات يتنافى مع وجود إله أو يتنافى مع ما جاء في نصوصهم الدينية لذا وجب رفضها من الأساس وهذه النظريات كانت إحدى العوامل الأساسية التي أدت أيضا إلى ظهور فلسفات كالوجودية والعدمية وانتشار مصطلح “البقاء للأصلح أو الانتقاء الطبيعي”، وهي فلسفات تؤمن بأن الأقوى والأكثر قدرة على التكيف مع ظروف الزمان والمكان هو المستحق للسيادة بغض النظر عن أى قيم أو مبادئ إنسانية وكانت النتيجة الطبيعية لذلك اندلاع حروب قدرعدد ضحاياها ما بين 50 إلى 80 مليون قتيل!…

 

دعونا نتساءل هل حقا الاعتقاد بصحة نظريات علمية كـ “نظرية التطور” يؤدي حتما إلى الإلحاد؟ ولنكن أكثر دقة هل يمكن أن نثبت صحة نظرية علمية أو خطئها عن طريق عرضها على النصوص الدينية؟ وهل من الممكن أن يكون الإنسان مصدقا بالحقائق العلمية دون أن يمس تصديقه هذا بإيمانه بكون هناك خالق كامل وعادل وبدين أرسله هذا الخالق له ليعرف ما ينبغي أن يفعل بكل ما هو موجود والهدف من وجوده؟ هل يمكن الجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالمعمل؟

نظرية التطور والإلحاد

إذا كانت نظرية التطور تؤدي قطعا إلى الإلحاد -كما يروج البعض- فمن البديهي أن يكون مؤسسها ملحدا لأنه توصل من خلال تجاربه وأبحاثه إلى ما يجعله يرى وجوب الإلحاد ولكن ما يدعوا للدهشة أن “داروين” نفسه لم يكن ملحدا، فقد أوضح صديقه عالم الأحياء والجغرافيا “ألفرد راسل والس” الذي شارك داروين في بعض أطروحات كتاب “أصل الأنواع” لداروين، فقد كتب والس في كتابه “عالم الحياة” متحدثا عن عقيدة داروين : “إنه على ما يظهر قد صار إلى نتيجة واحدة، وهي أن الكون لا يمكن أن يكون قد وجد بغير علة عاقلة، ولكن إدراك هذه العلة على أي وجه كامل يعلوعلى إدراك العقل البشري”.

 

ويقال أنه بحلول عام 1849 علق داروين على ذهاب أفراد أسرته إلى الكنيسة أيام الأحد بقوله” إنه من العبث الشك في قدرة الإنسان على الجمع بين الإيمان بالله و نظرية التطور في نفس الوقت” … وشاع أيضا أن داروين قد صرح عام 1879 قائلا: “لم أكن يوما ملحدا، إذا كان الإلحاد يعني النفي التام لوجود الإله، أظن أن “اللا أدرية” هي أفضل وصف لطبيعة تفكيري”… والذى يهمنا في هذا كله هو أن والاس وهو أحد من آمنوا بالتطور وأضافوا إليه كان مؤمنا بالله وبحكمته في مخلوقاته، كما أن داروين نفسه كان يأبى أن يوصف بالإلحاد، ويحسب نفسه أحيانا “ربانيا” أي منكرا للمصادفة ومرجحا لعقيدة الربوبية…

 

فالإشكالية التي على أثرها تم اتهامه –داروين- بالإلحاد هي أن تصورات رجال الدين المسيحي في ذلك العصر عن كيفية التطور وبداية الخلق لم تكن تتطابق مع النتائج التي توصل إليها داروين عندما اكتشف بعض الأحفوريات وقام بإجراء بعض التجارب التي أشارت إلى تعارض لما هو متعارف عليه من قبل رجال الدين وعليه أصبح صاحب النظرية ومن يصدق بهذه النظرية ملحدا!

التطور ورجال الدين

ولكن هل التشكيك في فهم رجل الدين للنص الديني بسبب تجارب علمية توضح تعارض مع التفاصيل التي يرويها رجل الدين من خلال فهمه للنص يجعل من العالم المتشكك ملحدا؟! بالطبع لا، فما دخل الإيمان بخالق عادل حكيم بالتشكيك فى فهم رجل الدين للنص الدينى؟

 

والشىء الذي قد يكون مفاجئا للكثيرين أيضا هو أن هناك الكثير من المؤمنين وبعض العلماء المسلمين على وجه الخصوص قد تحدثوا عن التطور قبل قرون من نظرية التطور لداروين ولكن من حيثية مختلفة بعض الشيء كابن مسكويه وغيره ممن رأوا أن كل ما في الكون مفطور على السعي للتكامل والتطور للأفضل، وأن لكل كائن القدرة التي تمكنه من التكيف مع الظروف والتغيرات المختلفة ليصل إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه والتى تحدث ليس فقط فى الجانب الفيزيائي الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان معا بل وأيضا في الجانب الروحي والعقلي الذي تميز به الإنسان عن غيره من الكائنات، كما ذكر فى كتاب “فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام” للمؤلف “مجدي عبد الحافظ “،

حيث إن مفهوم فلاسفة الإسلام عن التطور لا يتنافى مع وجود إله عادل وحكيم مطلق العلم بل إن السعي للتكامل والتطور لدى الكائنات المختلفة فطرة فطر الله خلقه عليها، منهم بإرادته كالإنسان فيتطور ويتكامل  بالعلم والمعرفة والأخلاق ومنهم بغير إرادة منه كالنبات والحيوان بالتكيف مع التغيرات المناخية والبيئية، فنرى ابن مسكويه يتحدث في كتابه ” الفوز الأصغر” عن تطور الموجودات قائلا:

 

“فأما اتصال الموجودات التي نقول بأن الحكمة سارية فيها حتى إذا أوجدتها وأظهرت التدبير المتقن من قبل الواحد الحق فى جميعها، حتى اتصل آخر كل نوع بأول نوع آخر، فسار كالسلك الواحد الذي ينظم خرزا كثيرا على تأليف صحيح، وحتى جاء من الجميع عقد واحد فهو الذي ننبه عليه بالدلالة بمعونة الله”…

طبعة 1319 هجرية- بيروت- ص86

الرأي العلمي

هل هذا يعنى أن نظرية التطور حقيقة مثبتة ويجب التصديق بها؟

إذا كنا نعنى بالتطور هو التكيف مع الظروف المناخية والبيئية وحدوث طفرات تساعد الكائن على الصمود فلا بأس بذلك فهذا ما نشاهده في حياتنا اليومية، كأن يصاب الإنسان بفيروس ما ومع مرور الوقت يتكيف هذا الفيروس مع نوعية المضاد الحيوي الذي يتعاطاه الإنسان فيغير الإنسان نوعية الدواء للتغلب على هذا الفيروس؟ أو العصافيرالتي تحدث عنها داروين والتي تنتمى لنفس النوع -أي لها نفس الحمض النووي- ولكن كل سلالة من هذا النوع تحمل صفات مختلفة كلون الريش وشكل المنقار وقوته ولكن هذا لا يشمل التغيير في تركيب الحمض النووي ليتحول العصفور مثلا إلى سلحفاة…

وهنا يمكن تطبيق قانون البقاء للأصلح -أي الأكثر تكيفا مع ظروف البيئة- وهذا ما يسميه العلماء الآن “بالتطور الصغير” أما في أيام داروين فقد كان يشار إليه باسم “التطور” بشكل عام لأن مفهوم الحمض النووي كان مجهولا بالنسبة له، أما إذا كان المقصود بالتطور هو التحول من نوع إلى نوع آخر، كأن تتحول السمكة إلى كائن بر مائي أو يتحول القرد إلى إنسان فلكل كائن تركيب حمض نووي خاص به يميزه عن غيره من الأنواع الأخرى ولا يشاركه إلا من هم من نفس نوعه حتى إذا اختلفت صفاتهم نتيجة التكيف مع الظروف المختلفة وانتقال الجينات من أجيال لأجيال أخرى ولم يثبت حتى الآن “تجريبيا” أنه يمكن دمج الأحماض النووية لأنواع مختلفة وهذا التطور يسمى “بالتطور الأكبر” وهو ما لم يكن معروفا بالنسبة لداروين…

وللتعمق في التفاصيل العلمية بشكل أكبر يمكن الاطلاع على كتاب “التطور الموجه بين العلم والدين” للدكتور “هشام عزمي” الصادر عن مركز براهين للدراسات والأبحاث…

الرأي الفلسفي

هناك من يعتقد بأن النظرية تقول بأنه من الممكن أن ينتج عن غير الواعي كائن واعي وهذا محال عقلا -حتى إذا قال هذا داروين نفسه- حيث إن هذا الادعاء ينافي بديهية “فاقد الشيء لا يعطيه” ، فالمادة أو الكائنات غير الواعية لا يمكنها أن تتطور وينتج عنها كائنات واعية من تلقاء نفسها فهي لا تملك “الوعي” لتتمكن من تطويره أو إعطائه لغيرها، بل إننا إذا افترضنا جدلا بأنه حدث أن تطور كائن غير واعي إلى كائن عاقل ومدرك للمعانى والكليات “كالعدل والظلم والخير والشر” فهذا لا يمكن أن يحدث إلا عن طريق تدخل ميتافيزيقي يعطي المادة القدرة على الوعي والتفكير وهو الله عز وجل…

خلاصة

إذا وضع كل شيء في موضعه، قل الخلاف والجدال ووضحت الرؤية، فللحكم على النظريات العلمية وكل ما هو مرتبط بالعلم التجريبى يجب أن تتوافق أداة الحكم مع طبيعة هذه النظريات التي يتم الحكم عليها، أي بالتجارب والمشاهدات الحسية والدلائل العلمية، وإذا تم استخدام نظريات علمية كقاعدة لاستنتاج نظريات فلسفية فيجب أن يتدخل العقل الفلسفي والبديهيات العقلية التي هي الأساس الذى تنطلق منه المعايير الكلية للحكم على هذه الأفكار والنظريات التي لم تعد علمية في هذه اللحظة.

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

محمد خيري

عضو بفريق بالعقل نبدأ القاهرة

مقالات ذات صلة