أسرة وطفل - مقالاتمقالات

التربية بالحوار

هل تؤمن مؤسسات التعليم في عالمنا العربي بثقافة الحوار؟!

تساؤل ملح يحتاج إلى تحليل وتدقيق بعمق في فلسفة التعليم في مؤسساتنا التعليمية العربية، تلك الفلسفة التي كانت ولا زالت عبر عقود طويلة تؤمن بأن التعليم مرتبط بالحفظ والتلقين، وأن التفوق مقترن بقدرة المتفوقين على استرجاع ما يحفظون عند سؤالهم عنه، وللأسف ظل هذا الموروث التعليمي متداولا في كل مؤسساتنا التعليمية العربية الجامعية منها وقبل الجامعية،

ولكن مع تطورات الحداثة المعاصرة، وثورة المعلومات، وتنوع التقنيات وطغيان طوفان العولمة وقع التعليم تحت تأثير هذه المتغيرات، فلم يعد قادرا في بلادنا العربية بالفكر التقليدي العقيم أن يواكب متطلبات الحداثة، بل وأصبح مطالبا بأن يخلع عباءة الماضي وأن يرتدي ثوب المعاصرة بكل ما يرتبط بهذا الثوب من متطلبات.

ولعل ثقافة الحوار في مؤسسات التعليم تمثل المظهر الأهم في الانتقال من اعتبار المتعلم مرسلا إليه فقط إلى اعتباره شريكا في العملية التعليمية برمتها، محاورا ومناقشا ومتفاعلا وناقدا في إطلالة جديدة تؤكد أن التربية بالحوار هي تربية التحرر من قيود الجهل والخرافة والاستكانة والخنوع.

وتربية الحوار تلك التي أشار إليها المفكر التربوي العالمي “باولو فاريري” تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه قد جاء الوقت للتحرر من اعتبار المتعلم صنما لا وجود له ولا تفاعل إلى اعتباره شريكا في الموقف التعليمي الفعال.

وتربية الحوار تلك تعتمد على مجموعة من المقومات أهمها:

– اعتبار الموقف التعليمي ممارسة للحياة تعتمد على التوظيف العملي للقيم والمهارات في مناخ اجتماعي تفاعلي.

– اعتبار الموقف التعليمي ممارسة للرأي والرأي الآخر في إطار الاحترام المتبادل بين الطلاب والمعلمين.

– اعتبار الموقف التعليمي واحة بوح يعبر من خلالها الطلاب عن ذواتهم وأفكارهم وقيمهم ومعتقداتهم في إطار تفاعلي مقنن.

– اعتبار الموقف التعليمي صورة مصغرة من ممارسات التفاعل في المجتمع من خلال تفعيل البعد الوظيفي للمناهج، ومدى ارتباطها بالمجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده وضوابطه الخلقية الراسخة.

– اعتبار الموقف التعليمي دعوة لتقبل الآخر، واحتواء التناقض، والتواصل الفعال القائم على التناغم والتوافق.

– اعتبار الموقف التعليمي دعوة لتجاوز الاختلاف وترسيخ قيم الرحمة والترابط والتواصل الفعال.

– اعتبار الموقف التعليمي فرصة للانفتاح على الآخر غير العربي وفق مبادئ التواصل العالمي والانفتاح الرائع على ثقافات الأمم والشعوب.

تلك مضامين التربية بالحوار، تلك التربية التي تستهدف تحرير المتعلم العربي من قيود الخوف واعتقاد العجز والإحساس الدائم بالنقص، كي يحلق في عالم جديد شعاره التواصل والانفتاح وإزالة الحدود والفوارق.

وتربية الحوار تلك في مؤسساتنا التعليمية العربية تستدعي أن نطور مناهجنا، وأن نتفاعل مع التقنيات التكنولوجية الحديثة، وأن نتواصل مع شتى الثقافات من منطلق التعارف والاستفادة في إطار الاندماج العقلاني الرشيد.

إن التربية على الحوار هي إعادة بناء لمخرجات التعليم العربي القادرة على أن تكون عنصرا فاعلا في صياغة الواقع التعليمي الجديد، واقع يؤمن بثقافة المبادرة والإقدام والانفتاح على الآخر.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

ثقافة الحوار والحوار الثقافي

وداعًا مجانية التعليم

التعليم في العصر الرقمي

اظهر المزيد

د. محمد حسن أحمد جمعة

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية جامعة دمياط

مدير وحدة ضمان الجودة والاعتماد بكلية التربية

وكيل كلية التمريض لشئون التعليم والطلاب

منسق عام جامعة دمياط لمحو الأمية وتعليم الكبار

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى