فن وأدب - مقالاتمقالات

البطل الخارق .. هوليود ومنقذ الإنسانية المنتظر

قدمت أفلام هوليود أكثر من مرة وفى أكثر من فيلم سينمائى للأبطال الخارقين أساليب ورؤى متعددة؛ سعيا فى توجيه الشعوب إلى الفساد والضياع وتشويه صور أصحاب المبادئ وإظهارهم كأضعف ما يكون، طالما كانت تلك المبادئ تتعلق بمصالح شعوب أخرى ولا تمت لمصالحهم بصلة، بل وأكثر من ذلك… فما يحدث بالفعل هو توجه غربى لقلب الحقائق وطمس المبادئ والقواعد الفكرية الإنسانية التى تضمن لجميع بنى الإنسان الوصول إلى بر الأمان وإلى أرضية موحدة يحتكم إليها جميع بنى الإنسان، وتجمعهم على رؤية سوية سليمة  تضمن للجميع فى ظلها التكامل والصلاح والأمان، تعطى كل فرد حقه دون أن تحرم أو تظلم أحداً.

وبمنظور مادى بحت عبرت الأفلام عن الكثير من القضايا حتى المعنوية والمجردة منها، وانطلقت أهداف البطل الذى لا يستطيع فى كثير من الأحيان السيطرة على شهواته، وبرغم إدعاء المبادئ المذهلة فى ثوب الحيوان الشهوانى، لا يستطيع إنهاء المهمة دون أن يملأ كأس شهوته من امرأة، حبيبة كانت أو زوجة أو فتاة ليل، لا فرق بينهن فى غرض تلك الأفلام أو فى دور كل واحدة منهن مهما كانت ظاهرها، إلا أن الهدف من وجود تلك الفتيات واضح لأصحاب العقول والمبادئ…

وقد نراه تارة أخرى فى وصف نصف الإله أو حتى الإله الكامل، لتتضح لنا وجهة نظرهم المتدنية عن الإنسان وقدراته، وما خلق من أجله فى محدودية تصوراتهم عن الإنسان الكامل أو الإنسان المتكامل، فبمجرد أن يتوجه البطل إلى العمل من أجل الآخر ويخرج من الأنا، أو أن يمتلك بنية جسدية قوية يكون فى تصورهم مستحقاً للقب الإله! وللأسف بظهوره المادى وحبه للشهوات وارتباطه بهواه ومصالحه الخاصة يظهر إله ناقص! لا يتخيل أي عاقل أن يرقى هذا الإله حتى لأن يكون إنسانا عاديا مسئولا عن قيادة مجتمع كامل؛ فليس متقبلا لدى العقلاء أن يكون الإله ناقصا بهذا الشكل؛ فطالما كان الإله يشبهنا فى ضعفنا وشهواتنا، فما الذى يميزه عنا وكيف استحق لقب الإله؟!!

فبالمنظور المادى تستطيع أن تتخيل كل شيء فى حدود حواسك فقط، وبما أن الحواس محدودة الرؤيا والقوى فإنه لا شك أن ما ستأتى به مهما كان مجردا وقويا وذا معنى ومغزى عميق، إلا أن صورته المادية التى يضعها العقل مستعينا بتلك الحواس الضعيفة أمام المجردات، لزاماً سيضع صورا ضعيفة لتلك الحقائق المجردة وهكذا يستطيع المثال أن يقرب من وجه ثم يبعد ألف وجه آخر.

وسط العتمة لمحنا بصيص النور، فجرى الحق وسط عتمة ظلامات رؤياهم المادية القاحلة، وقدمت هوليود الحل المثالى لاحتياجات الشعوب الحقيقية دون أن يشعروا…

ذاع صيت تلك الأفلام وانتشرت محققة نجاحاً لم يسبق له مثيل، فتصل إلى أقاصى العالم لتحقق أرباحا طائلة وتأثيرا قويا، يؤكد أن الرؤية التى وضعتها هوليود للبطل الخارق المنتصر للحق والمحارب من أجل الآخرين المتفانى فى سبيل قضيته، هو مطلب حقيقى لدى الإنسانية بشكل عام مهما اختلفت مناهجهم ورؤيتهم للواقع، أو مدى تقبلهم لجميع أفكار الفيلم أو حتى مدى اتفاقهم على القضية الصغرى فى حياة البطل، إلا أن الغالبية العظمى اتفقت على أن مواصفاته الخارقة ومبادئ هذا البطل وتضحياته قد حازت على إعجاب الجميع، وأصبحت ضمن أحلام الضعفاء، وعلى الطرف الآخر أصبح البطل الخارق هو أيقونة تحرك العقل الجمعى لجماهير تلك السينما، التى توجه وتبث أفكاراً ومبادئ غير سوية وغير إنسانية أيضا فى شكل مغالطات منطقية، يعصى على البسطاء أن يكتشفوها لتهدم حياة الشعوب من حيث لا يدركون من خلال العبث بمقدراتهم، وتوجيه العقل الجمعى إلى مصير لا يحمد عقباه يسعون إليه بأقدامهم، ليسوا مجبرين عليه بالسلاح ولا بأى شكل سوى الغزو الفكرى للعقول التى سلمت زمام أمورها برغبتها سعيا فى تلبية حاجاتها الدنيوية الزائلة وشهواتها الدنيئة وسعادة زائفة ومؤقتة.

نجحت أفلام هوليود وتجلت تلك النجاحات حينما استطاعت أن تبدل المبادئ والمناهج السوية بمناهج هشة، صدرت لهم الجهل القاتل والفقر العقلى، وسلّم المستضعفون لها زمام أمورهم، وتركوا خلفهم مبادئهم القوية  ولم يسعوا لأن يكونوا مثل ما تمنوا أو على الأقل أن يتشبهوا بمثل هذا البطل الخارق الوهمى الذى تشتاق هوليود وجميع المجتمعات الغربية إلى ظهوره فى أوساطهم المادية التى هى أول من يعانى من تلك الثقافة المادية الهادرة والماحقة لقيم الإنسانية ولقيمة الإنسان.

يقف العاقل والمنطقى الواعى موقف المذهول مما يحدث، وما تستطيع قوى الإنسان الشيطانية عمله وإنجازه، وعن القدرات الفكرية التى يستخدمها الغازى فى حرب الأفكار، والتأثير فى جماهير المجتمعات المستضعفة، بل وسرعة تحويل تلك العقول إلى قنابل تفتك بأنفسها وبمحيطها ومجتمعها دون أن تدرى ما تفعل أو ما فعلت بنفسها.

فظهرت اللا هوية والتبعية والمسوخ الفكرية، التى لا تنتمى لأى فكر أصيل أو حضارة حقة، بل هى بقايا حضارات وأفكار منهزمة وهويات محطمة مسختها الحضارة الغربية المادية، ومحقتها تحت عجلات الحضارة والتقدم الزائفة.

إلا أن الدور الحقيقي الذى لا تراه هوليود وأصحاب الفكر والمنهج المادى فى الإنسان الكامل -كما نسميه نحن والبطل الخارق كما يطلقون عليه- وما يفتقده المجتمع الغربى وبالتبعية المجتمع العربى المعاصر أيضا هو بطل خارق حقيقى، وليس صورة عنه لا تتواجد إلا فى الأفلام أو الأحلام…

هو بطل ضد الرصاص بالفعل، رصاص الجهل والفقر والأهواء والتبعية، هو بطل محصن ضد المادية والجهل، هو بطل حقيقى خارق فى كل شيء يخترق بأفكاره ومبادئه الزمن وتحيا سيرته بمدى حياة أفكاره ومبادئه، هذا البطل هو إنسان متكامل يحمل عقلا كاملا، ويعلم جيدا دور العقل والمنهج العقلى فى حياة الإنسان.

بطل يحمل فكرا منيعا محصنا ضد المادية والشهوات والأهواء والمصالح الشخصية… بطل يقاوم من أجل القضية… بطل يؤمن أن الإنسان هو أصل الحياة… وأنه لا إنسان بلا هوية…
وبأن الفكر هويتنا وهو ما يعلى شأن القضية… إنسان يؤمن أن لا قيمة فيما نفعله إن لم تنتفع الإنسانية.

اقرأ أيضاً:

عصر السيولة ومفاهيمه عن الإنتماء وعلاقة ذلك بالغزو الفكري

الكوميديا ودورها الهام والمؤثر في الغزو الثقافي والفكري في المجتمعات

جيلٌ هش .. الجيل المعاصر في خطر!

 

الوسوم
اظهر المزيد

رحيل محمد

عضوة بفريق بالعقل نبدأ بالقاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق