مقالات

بريطانيا وإعادة هيكلة الاقتصاد المصري منتصف القرن التاسع عشر

الحلقة الأولى

مقدمة السلسة

عملت الرأسمالية على إعادة هيكلة اقتصاد الدول ليتلاءم مع أهدافها، فالدول الرأسمالية الصناعية تحتاج إلى المواد الخام لتغذية صناعاتها، وتحتاج إلى أسواق لتصريف إنتاج تلك المصانع.

وأحد أدوات خلق الأسواق هو إشاعة نمط استهلاك منتجاتها لدى المناطق المستهدفة لكي تكون أسواقًا لها، مع احتكارها لتلك المنتجات.

وبشيوع نمط الاستهلاك هذا تدخل فئات من الشعوب في الإنفاق الترفي على المنتجات الأجنبية، وبمرور الوقت لا تستطيع الاستغناء عن تلك المنتجات، بل وتبدأ في الانتشار إلى طبقات أقل دخلًا.

خطورة نمط الاستهلاك

ونتيجة الاحتكار تتحكم الدول المنتجة في الأسعار، وتستدين الدول المستهلكة لتغطية ما أصبح احتياجات “أساسية” لها، ثم لا تلبث الدول الدائنة أن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول المدينة بحجة إصلاح اقتصادها لتستطيع الوفاء بالديون التي عليها، ثم يكون الاستعمار بأي ذريعة، فقد رافق الاستعمار الثورة الصناعية.

فماذا فعلت بريطانيا في مصر منتصف القرن التاسع عشر؟ وكيف فعلته؟ وما هي النتائج التي ترتبت على ذلك؟ وهل كانت هناك عوامل مساعدة سواء داخلية أم خارجية؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

هذا ما سنستعرضه –إن شاء الله– في هذه السلسلة من المقالات، ونبدأ بأول أداة استخدمتها بريطانيا للتمهيد لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري، وبما يتفق ومصالح بريطانيا دون غيرها، في أواسط القرن التاسع عشر في عهدي: عباس الأول (فترة حكمه: من 10 نوفمبر 1848 وحتى 13 يوليو 1854) وسعيد باشا (فترة حكمه: من 14 يوليو 1854 وحتى 18 يناير 1863) مما مكنّها من احتلال مصر فيما بعد عام 1882.

الامتيازات الأجنبية

1705396 0 - بريطانيا وإعادة هيكلة الاقتصاد المصري منتصف القرن التاسع عشر

كانت خطط الغرب تعمل لفترة طويلة في اتجاه تحقيق أحد أهم أهدافها، ألا وهو جعل مصر مزرعة ومنطقة للمواد الخام التي تحتاجها الصناعة الأوربية([1]).

كانت الامتيازات الورقة الرابحة بالنسبة للسياسة الأوربية، فقد لعبت دورًا كبيرًا في شؤون البلاد السياسية والاقتصادية، وكان لها أثر بارز في سوء حالة الدولة العثمانية وتدهور شؤونها المالية، وكان لتعارض المصالح وتضارب الأهواء أثره البارز في استمرار الامتيازات الأجنبية وتطورها من سيئ لأسوأ([2]).

اقرأ أيضاً:

هل الاستعمار ذكر أم أنثى؟!

الاستعمار الفرنسي ومعركة الوعي في إفريقيا

حملة يعقوب على الصعيد

بداية الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية

بدأت الامتيازات في الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني (1520-1566)، ففي عهده استطاع فرانسوا الأول ملك فرنسا في سنة 1536 الحصول على امتيازات، وكان من أهم بنود تلك الامتيازات: حرية الانتقال والمتاجرة للترك في بلاد فرنسا، وللفرنسيين في البلاد التركية، على ألا تُجبى ضرائب من رعايا أي من الدولتين في بلاد الدولة الأخرى أكثر مما يدفع رعاياها([3]).

وقد تمكنت الملكة إليزابث، ملكة بريطانيا (1558-1603)، في عام 1580 من الحصول على امتيازات من السلطان مراد الثالث (1574-1595) أسوة بفرنسا، ثم جدد السلطان محمد الرابع (1648-1687) لملك إنجلترا تشارلز الثاني (1660-1685) الامتيازات التي حصلت عليها إليزابث وأضاف إليها فيما عُرف بـ “العهدنامة الملوكية من الدولة العثمانية لدولة الإنكلتره البريطانية”،

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ونصت العهدنامة صراحة على أن ما يتمتع به الفرنساويون والبنادقة من امتيازات فهو مقرر للإنجليز، فمما جاء فيها: “ومهما أُعطي البنادقة والفرنساوية وكافة الملوك المقيمين على المحبة مع عتبة سعادتنا من العهود الملوكية وشروط المودة، فلتكن مقررة لأهالي إنكلتره”([4]).

وقد كفلت العهدنامة حرية التجارة “وطايفة الإنكلتره ومراكب البلاد التابعة لهم، يبيعون ويشترون في ممالكنا المحروسة ويتاجرون، ومهما أخذوا من المتاع غير الممنوع لما يريدون أن يحملوه في مراكبهم لا يمانعهم فيه أحد ما خلا البارود وغيره من آلات الحرب”([5]).

امتيازات الأفراد والشركات

وإلى جانب الامتيازات العامة التي كانت تعطيها الدولة العثمانية إلى الدول الأخرى، كان حكام مصر يعطون امتيازات لأفراد أو شركات.

ففي عهد سعيد باشا أُسست شركة الملاحة النيلية وكانت أول شركة أجنبية تؤسس في عهد سعيد، فلم يكن من أعضائها مصري إلا رئيسها الفخري ذو الفقار باشا وزير المالية.

والذي دعى سعيد إلى إعطاء هذا الامتياز أن المراكب الشراعية التي تنقل الغلال والمتاجر إلى الإسكندرية عن طريق النيل وترعة المحمودية كانت تتأخر –لسيرها عكس الريح –فتقطع المسافة بين القاهرة والإسكندرية في خمسة عشر يومًا، في حين تقطعها البواخر في ست وثلاثين ساعة، فتأخر السفن الشراعية يؤدي إلى أزمات في الأقوات، خاصةً بعد أن زاد سكان الإسكندرية.

وكانت معظم رؤوس أموال تلك الشركة أجنبية، ومؤسسوها أوربيون من الماليين الأجانب، ومدة امتيازها 15 سنة، فلم تكن مصرية إلا بالاسم. وكان في إمكان الحكومة أن تشتري البواخر من مالها بدلًا من الالتجاء إلى رؤوس أموال أجنبية([6]).

الامتيازات التي باعها سعيد باشا

61708 سعيد باشا - بريطانيا وإعادة هيكلة الاقتصاد المصري منتصف القرن التاسع عشر

وفي 7 شوال 1275هـ (9 مايو 1859) اشترى سعيد باشا امتيازًا، كان أعطاه محمد علي لأحد الأجانب “مسيو برسه” لطحن الدقيق بوابور، بعد أن باعه “برسه” ووصل آخر الأمر إلى “برتلا” الذي اشترى منه سعيد الامتياز بأربعين ألف فرانسة مصري وتعهد بالسداد على خمسة عشر شهرًا مع تسوية ستة في المائة([7]).

كذلك منح سعيد “ويست” وكيل قنصل بريطانيا في السويس رخصة لإخراج حجر الجير وسلفات الجير، ففي إرادة للفريق إسماعيل باشا ناظر الجهادية بتاريخ 25 شوال 1278هـ (24 أبريل 1862) جاء فيها:

“حيث إن المسيو ويست وكيل قنصل إنكلتره في السويس ووكيل شركة الشرق التمس منا منحه رخصة لإخراج حجر الجير من جهة “المسلمة” وسلفات الجير الموجود على سطح الجبل المذكور المنتهي إلى ساحل البحر بجنوب عيون موسى التي تبعد عشرين ميلًا عن السويس على ذمته”([8]).

اعتراض بريطانيا على الامتيازات الخاصة

 

إلا أن بريطانيا نفسها هي التي وقفت ضد الامتيازات الخاصة، فمنذ أن أصبح الجزء الأكبر من واردات مصر يأتي من بريطانيا، والجزء الأكبر من صادراتها يذهب إلى بريطانيا، أصبحت السياسة التي تخدم المصالح البريطانية بشكل أفضل هي السياسة التي تقوم على حرية التجارة وحرية المنافسة.

وكان هذا هو الموقف الذي انتهجته بريطانيا بشكل ثابت حتى أواخر عهد سعيد باشا، فحتى سنة 1862 رفض القناصل البريطانيون العموميون على اختلافهم مساندة طلبات الامتياز الخاصة، ومطالب التعويضات التي كان يتقدم بها الرعايا البريطانيون عن عقود امتياز حصلوا عليها بغير مساعدة قناصلهم([9]).

في الحلقة القادمة –إن شاء الله– يدور حديثنا حول أداة أخرى من أدوات التمهيد لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري، ألا وهي نظام الاحتكار الذي أنشاه محمد علي باشا، فكيف تعاملت بريطانيا مع هذا النظام ليتفق مع إعادة هيكلة الاقتصاد المصري وبما يخدم المصالح البريطانية؟

يُتبع…

المصادر

([1]) عبدالكريم مدون: العلاقات الاقتصادية المصرية الفرنسية (1840-1863)، رسالة ماجستير، مودعة بمكتبة الجمعية التاريخية المصرية، 1988، ص 130.

([2]) عبدالكريم مدون: المرجع السابق، ص 145.

([3]) محمد محمد البازي: الامتيازات الأجنبية، مطبعة الاعتماد، مصر، 1930، ص 24.

([4]) صورة العهدنامة الملوكية من الدولة العلية العثمانية لدولة مملكة الانكلتره البريطانية، والمخطوطة مودعة بمكتبة الإسكندرية، ص11.

([5]) صورة العهدنامة الملوكية، المصدر السابق، ص 15.

([6]) عبدالرحمن الرافعي: عصر إسماعيل، جزءان، دار المعارف، ط4، القاهرة، 1987، ج1، ص 39.

([7]) أمين سامي (باشا): تقويم النيل، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط3، القاهرة، 2009، ج3، ص 327.

([8]) أمين سامي (باشا): المصدر السابق، ج3، ص 402.

([9]) جون مارلو: تاريخ النهب الاستعماري لمصر (1798-1882)، ترجمة عبدالعظيم رمضان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003، ص 128.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد محمد عبدالحميد

مهندس برمجيات – مدير مشروعات – حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث

مقالات ذات صلة