مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

الإنسان بين المجرد والمحسوس .. طريق الوصول إلى المعنى

بداية الإدراك لدى الإنسان

يتعامل الكثير من البشر في شتى نواحي حياتهم دون أن يعرفوا مراتب الإدراك لديهم أو أنواعه. يفتح عينيه؛ يجد نفسه محاطا بأشخاص يبدأ في التعرف عليهم بلمسهم بيديه وأيضًا بفمه يكبر درجة فيبدأ في تقليدهم فيقول الأب لا تفعل كذا أمام الطفل فسيقلدك .

ويتقدم درجة أخري؛ فيرتعد من كابوس فتقول الأم هذا خطأ أخيك الذى جعلك تشاهد فيلم رعب ويتقدم درجة أخري فتمنحه معلمته قلمًا رصاصي وورقة رسم بيضاء وتقول له هيا ارسم ما تريد فيها، فيبدأ في التخيل مسترجعًا لصور قد رآها بعينيه ويمزج بين صورة وأخري كأن يتذكر شكل العصفور ثم يأتي بأخرى لحصان ويدمجهم سويًا؛ مكونًا شكل مركب بين العصفور والحصان؛ شكلاً جديدًا لحصان بجناحين يكبر أيضًا درجة.

فيشاهد والدته تحتضن بنتها الصغيرة في الشارع فيستخلص معنى مجرد ألا وهو الحنان . يكمل كل منا سلم تدرجه الإدراكي دون أن يعرف مسمى أو وظيفة أي مستوى إدراكي لديه وإن كان في الأصل يستخدمه فطريًا؛ لأنه من طبيعته التي فُطر عليها.

وإن كان هذا يصيبه باختلاط المعارف لديه بين الوهمية والحسية والعقلية؛ فلا يستند لقاعدة تُنظم كل تلك المعارف وتؤكد على ما هو يقيني أو ظني أو مشكوك فيها.

الحواس وتكوين المعرفة

يبدأ الإنسان حياته كالبيت الذى لديه نوافذ تطلعه على ما يحدث في الخارج ونسمى هذه النوافذ الحواس ولدينا في الحقيقة خمس حواس نكتشف من خلالها المعرفة للمحسوسات وهى (البصر والسمع واللمس والشم والتذوق ). كلها تعمل وفق أعضاء جسدية لديها القابل للاستقبال وفق طبيعة خاصة.

فالعينان تبصران والأذنان تسمعان والجلد يلمس والأنف تشم واللسان يتذوق. لكل عضو عمله المؤكد أنه يكشفه؛ فتنكشف لنا المعرفة دون الشك فيها إلا وإن كان العضو نفسه لا يعمل بالشكل الطبيعي. فمثلاً لمسنا لسطح ساخن يجعلنا نتيقن أن هذا سطح ساخن؛ إذن فلا شك في تلك المعرفة وهنا تصنف بالمعرفة الحسية التي تم التعرف عليها بواسطة الحواس .

مراتب الإدراك

وتنقل لنا الحواس صورة للمحسوسات في الذهن فيغمض الإنسان عينيه ويتخيل البحر الذي كان يتمشى عليه صباحا ومُسمى هذا المستوى الخيال البسيط وهو استرجاع الصور التي تم الحصول عليها من الحواس ويتشابه الحيوان مع الإنسان في الحواس والخيال البسيط حيث أنه لو أتى جحا يومًا ناسيًا حماره؛ لعاد الحمار إلى الدار لأن لديه صورة تكونت في خياله عن طريق الحواس.

ولكن يتميز الإنسان في المستويين القادمين وأولهما الخيال المركب وهو ليس فقط استرجاع الصورة المكتسبة من الحس بل والجمع بين صورتين أو أكثر وتركيبهم مع بعضهم لتكوين شكل جديد وهذا ما نطلق عليه الإبداع والابتكار الذى يتمكن الإنسان بخياله المركب تكوين صور وأشكال ليست في واقعه كرسم حصان مجنح.

وثاني المستويات الإدراكية التي تميز بها الإنسان هو الإدراك للمجردات عن طريق المحسوسات فأحدهم يقول للآخر؛ هذه الصورة تعبر عن الحب في حين أنه لم يكتب على وجه الأشخاص الذين في الصورة كلمة حب بل استطاع الإنسان عن طريق الحس أن يدرك معنى مجرد عبرت عنه الصورة .

في النهاية الوصول للمعنى هو المقصد

المشكلة التي تواجه الكثير منا هي عدم معرفة أهمية كل مستوى إدراكي من مراتب الإدراك وبالأخص المستوى الثالث (الخيال المركب) والرابع (الإدراك للمجردات أي المعاني) وإن كنا متفردين بتلك الهبة من الخالق والتي تُمكن الإنسان من إدراك معانى سامية كالعدل والجمال والخير، بل والارتقاء لتطبيع النفس على تلك المعاني.

فهي رحلة ارتقائها الحقيقي ولكن في ظل عالمنا الآن الذى أغرقته الرأسمالية في المادية والنفعية جعلت من الناس عبيدًا وحيوانات تنكر جانبها المعنوي وتغرقهم في ملذات الحياة دون غاية حقيقية واضحة عدا الاستهلاك فقط للمتعة الجسدية  وإن كانت الأشياء المادية في حد ذاتها مهمة جدًا لسد حاجات الناس؛ لكن تظل وسيلة يكتفى فقط الناس منها بسد حاجاتهم والسعي لما هو أرقى لهم وتطبيع النفس على تلك المعاني التي تزيد من كمالاتها .

 

اقرأ أيضا :

مركزية الإنسان و مركزية الإله … بين الغاية والهدف (الجزء الأول)

من أين تستمد قيمتك؟ (الجزء الأول): هل قيمة الفرد تستمد من الآخرين؟

أين أجد إجابات للأسئلة المصيرية ؟ وكيف يتم التوافق ؟

الوسوم
اظهر المزيد

محمد سيد

عضو بفريق بالعقل نبدأ أسيوط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق