علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

الأبعاد الجمالية لأخلاقيات البيئة

إذا كنت في حفلٍ ورأيت شخصا بعدما تناول علبة عصير قد حرص كل الحرص على ألا يلقيها إلا في مكانها المخصص لها في صندوق القمامة، ليحافظ على نظام المكان ونظافته وجماله، فهل يعد هذا مظهرا جماليا أم مظهرا أخلاقيا؟ هل نظافة الطرقات والشوارع يمكن الحكم عليها بأنها صورة جمالية أم صورة أخلاقية؟ هل مشهد مياه جزيرة “فينيسيا” الإيطالية نقيا دون تلوث برغم مرور مجاري المياه من أمام منازلها، يعد هذا في النهاية مشهدا جماليا أم مشهدا أخلاقيا؟ هل الكف عن تسريب بعض مخلفات المصانع والسفن في مياه البحار والمحيطات يتطلب حسا جماليا أم ضميرا أخلاقيا؟

العلاقة بين الأخلاق والجمال

الأخلاق أو “الإيطيقا” والجمال أو “الإستطيقا”، كلاهما ينتمي لعائلة الدرس الفلسفي، وبالتحديد لمبحث “القيم”. ولقد انشغلتُ طويلا برصد العلاقة التي تجمع بين “القيمة الأخلاقية” و”القيمة الجمالية”، حيث إن كلتيهما نعت للوعي الإنساني أو صفة له، سواء كانت هذه الصفة ذاتية كما قال بذلك العقليون والمثاليون، أو هي صفة موضوعية يعطيها العقل نظرا للظروف والملابسات والأحوال كما قال بهذا الحسيّون والتجريبيون.

ولأن القيمة الأخلاقية تبتغي رصد الفضيلة، والقيمة الجمالية تبتغي الشيء الجميل، فإن الفضيلة تعد صورة من صور الجمال، بطبيعة الحال.

فالعلاقة تبدو واضحة بين الأخلاق والجمال، بيد أن القيمة الأخلاقية موضوعها “الفعل والسلوك البشري” والقيمة الجمالية موضوعها “الأشياء والمعاني” بما في ذلك الإنسان والحيوان والنبات والجماد، أو باختصار الجمال صفة للأشياء، والأخلاق صفة للأفعال، بيد أن الحكم الجمالي قد يلحق الفعل الإنساني أيضا فيتم الحكم عليه بأنه “فعل جميل” أو “فعل قبيح”، ومن ثم يمكن أن نقول أن الجمال أعم من الأخلاق.

العلاقة بين الفعل الأخلاقي والبيئة

هذا عن ارتباط القيمة الجمالية بالقيمة الأخلاقية، أما عن ارتباط الفعل الأخلاقي بجماليات البيئة، فإذا انطلقنا من مقدمة فحواها أن الإنسان هو الفاعل الحر والوحيد على الأرض، وهو المعنيّ بتكوين المعارف والقيم وإصدار الأحكام على مفردات الوجود، وهو الفاعل في الحياة كلها من دين وسياسة وعلم وثقافة وفن، فسوف نجد أن مخرجات هذا الفعل الإنساني أضحت تتسع دائرتها لتشمل البيئة بمختلف أنواعها وظروفها.

إن البيئة التي نقصدها ليست البيئة الجغرافية وحدها، بل البيئة الاجتماعية فقط، إنما تعني المكان الذي تتوفر فيه عوامل الحياة بمختلف أشكالها وأنواعها، سواء كانت حياة بشرية أم حيوانية أم نباتية، أو حتى الجماد والموارد الطبيعية، وهو ما يسمى بـ “مجتمع الأرض”.

إن الطبيعة تبقى جميلة حتى يتدخل الإنسان فيفسدها لأجل أن ينتفع هو، على اعتبار إيمانه القديم بأنه محور الطبيعة، وأن الطبيعة لم تخلق إلا لأجله وحده، وهي بالنسبة له مجرد “مستعمرة” بمعناها العسكري.

ومن ثم، تتمركز فكرة أخلاقيات البيئة حول إزاحة مفهوم أن الإنسان مركز الكون ومحور هذا الوجود، وإحلال مفهوم أنه مجرد عضو في المجتمع البيئي، مما يعني أنه يتطلب منه احترام بقية أعضاء هذا المجتمع، والاهتمام بالصلات التي ينبغي عليه إقامتها مع الطبيعة ومفرداتها، ومن ثم يتحول الإنسان من مفهوم “المستعمر” بصورته الآثمة إلى صورته الأخلاقية النزيهة التي تعني إعادة الإعمار.

ولقد أفرزت أخلاقيات البيئة مجموعة قيم أخلاقية تتوافق مع طبيعة مفهوم المجتمع البيئي في إطار أكثر اتساعا بدلا من اقتصار الأخلاقيات على النوع الإنساني وحده، فبرزت قيم جديدة تُعنى باحترام الطبيعة، واحترام التنوع البيولوجي، وعدم إيذاء الآخر (بكل ما تحمله من معنى للآخر) والتعامل مع الموارد الطبيعية بشكل يتم معه مراعاة أقل قدر من الضرر وبأكثر طريقة ممكنة يتم فيها المحافظة على نصيب الحيوات الأخرى. كما أفرزت أخلاقيات البيئة أيضا مفهوم “التنمية” الذي يتماس مباشرة مع قيم أخلاقيات البيئة. فإذا كانت البيئة هي ما نحيا فيها، فإن مفهوم “التنمية” يعني ما نفعله فيها.

فبصورة مختصرة:

تؤكد أخلاقيات البيئة على أن جميع مظاهر الحيوات على الأرض بشتى أشكالها وأنواعها لها حق العيش جنبا إلى جنب. وترشد إلى “مبدأ المسؤولية” كشرط إجمالي للحياة البشرية، والمستقبل البعيد، وبقاء النوع والتوافق مع إمكانية استمرار البشرية في الحياة على كوكب الأرض بشكل سليم.

إن الجمال نوعان:

جمال طبيعي وجمال صناعي، الأول يتكوّن بفعل الطبيعة، والثاني يتكون بفعل الإنسان الفنان، وتلتقي الأخلاق بالجمال في النوع الثاني دون الأول لأن محور اهتمام الأخلاق ما ينتجه الفعل الإنساني دون فعل الطبيعة، فالأخلاق تلتقي بالجمال في مخرجات الفعل الإنساني في البيئة. إذا كانت أخلاقيات البيئة تقوم على أساس العيش المشترك، فإن الجماليات البيئية تقوم على أساس التفاعل المشترك بين الفرد والبيئة، فالبيئة تهب الإنسان جمالا بقدر ما يوليها اهتماما، وهي تسدي له حسنا لذوقه وراحة لنفسه بقدر ما يوليها اعتناء وحفاوة.

فباختصار:

يمكننا أن نقول أن العلاقة بين الأخلاق والجمال تتبدى في كونها علاقة سبب ونتيجة، الأخلاق سبب للجمال، والجمال نتيجة للأخلاق، ومن هنا كانت الأحكام الجمالية تلاحق الأحكام الأخلاقية باستمرار وتتبعها في كل ما يخص الفعل الإنساني.

أليست النظافة خيرا بقدر ما هي جمال، والتلوث شرا بقدر ما هو قبح؟ أليس الإفساد قبيحا بقدر ما هو شر، والإصلاح جمالا بقدر ما هو خير؟

فإذا كان الشاعر الإنجليزي جون كيتس John Keats [1795-1821] كان يقول مبالغا في شاعريته وربطه بين الحق والقيمة: “إن الجمال هو الحق، والحق هو الجمال” فإنه بالأحرى لنا أن نقول على منواله: “إن الخير هو الجمال والجمال هو الخير”.

اقرأ أيضاً:

“الإنسان” ذلك الكائن الأخلاقي

كن جميلًا ترى الوجود 

كيف تنشأ الأخلاق؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

هاني عبد الفتاح

كاتب وباحث دكتوراه بكلية الآداب قسم الفلسفة جامعة الفيوم

مقالات ذات صلة