الأكْفاء

تعمل الدول التي تريد الارتقاء بنفسها وتثبيت قدمها في مجتمع المعرفة بكل قوتها على البحث والتنقيب عن الأكْفاء في المجالات والتخصصات المختلفة، الذين يحملون مشاعل النور واليقظة والتقدم، فهم الاستثمار الحقيقي.
وفي العصر الحديث كما كان في عصور الأباطرة سواء بسواء، تحاول دولة الصين وضع قدمها على طريق التقدم متسلحة بالعلم باحثة عن العباقرة والنابهين للاستثمار فيهم لبناء دولة قوية تمتلك أساسًا ضاربًا جذوره في الأرض رافعًا هامته في السماء.
النجاح كما يقولون لا يأتي على سبيل الصدفة أو الهدية بل بالجد والاجتهاد والسهر والتعب والمعاناة والحرمان، فيبحث المسؤولون عن الأطفال المتميزيين، فيغرسون فيهم التربية الحديثة والصبر والمثابرة والبرامج التي تؤهلهم للمنافسة العالمية وبذلك يكونون نافعين لأنفسهم وأوطانهم.
نحن نحتاج إلى أكْفاء يستطيعون أداء مهام موكلة إليهم بكل ثقة ومرونة ودراية وقوة المعرفة، التي تتناسب مع ثقافة مجتمعاتهم.
أشارت كل من: تسو لانفانغ وليانغ بانبان (2024)، في بحث لهما في معرض حديثهما عن الاهتمام بتعليم الأكْفاء للغات وخصوصًا العربية إلى أن “الوضع العالمي الحالي يفرض تطور زيادة تنمية المواهب الدولية، ففي السنوات الأخيرة ومع تسارع عملية العولمة فإن الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط تحتل موقعًا مهمًا في السياسة الجغرافية والموارد الطاقية، مما يؤثر على الوضع الاقتصادي والسياسي في العالم. وفي الوقت نفسه، مع زيادة الأنشطة والعمليات التجارية من المنظمات العابرة للحدود والشركات الدولية في هذه المنطقة، أصبحت تنمية المواهب الدولية الرفيعة المستوى وبخاصة في اللغة العربية أمرًا ملحًا على نحو متزايد، كما أشار “التقرير السنوي للتنافسية العالمية” الصادر عن المنظمة السويسرية ((IMD إذا تمكّنت دول العالم من تنمية عددٍ كاف من المواهب الدولية العالية الجودة والملمة بقواعد التنافس الدولية، لأصبحت المفتاح المؤثر على القدرة التنافسية لدولها”.
توجد فئات أكفاء تتفاوت الدول في الالتفات إليهم والاهتمام بهم، وهم ذوي الاحتياجات الخاصة، أو ما يطلق عليهم أخيرًا “ذوي الهمم أو أصحاب الهمم”، وكاتب المقال الحالي درس الفئات الأربع في الدبلوم المهني في التربية، وهم: “ضعيف السمع أو الأصم، ضعيف البصر أو الكفيف، التخلف العقلي، الموهوبون”، فئات مهمة ينبغي الاهتمام بهم ودمجهم في المجتمع للاستفادة منها، فهم شريحة لا ينبغي إهمالها.
في الصين مدارس ثانوية للأكفاء منها إعدادي وثانوي، وتسمى باسم المدينة مثل: مدينة ووهان للغات الأجنبية، وخانجو، وشاندونج، إلخ، والدراسة في هذه المدارس مثل المدارس العادية لكن تولي اهتمامًا أكثر لتعليم اللغات، فيتعلمون اللغات غير الإنجليزية، مثل: الفرنسية، والألمانية، واليابانية، إلخ.
على سبيل المثال إذا كان هناك عشرة فصول يكون واحدًا لدراسة الألمانية، وواحدًا للفرنسية، وهكذا، وهؤلاء الطلبة لا يدرسون الإنجليزية مادة أساسية، فاللغة الأجنبية مثلًا: الفرنسية أو الألمانية غير الإنجليزية.
هذه المدارس متميزة وبارزة، ولها شهرة واسعة، غير أن مدارس الذكاء الاصطناعي في العصر الرقمي الحديث زادت في شهرتها لمواكبتها سباق التكنولوجيا المحموم، وهذا كله لا يقلل من أهمية مدارس الأكفاء.
بعض هؤلاء الطلاب الأكفاء والمتميزيين يدخلون بعض الاختبارات التي تنظمها الجامعات (لوائح داخلية)، وبذلك يُعفون من دخول الامتحان الوطني العام كنظرائهم للقبول في الجامعات، كما أن رئيس الفصل في الجامعة يتعين عن طريق الانتخاب من الزملاء، بالإضافة إلى مشرف الطلاب في الكلية.
إن الأكفاء بناة الأمم وسبب نهضتها ولهذا ينبغي عدم دخول الهوى سواء في اختيار الطلاب أو الموظفين أو الساسة والمسؤولين والابتعاد عن اختيار الأقارب أو الأصدقاء أو اشتراط السّن، كما يؤخذ بعين الاعتبار احتواء الشباب صاحب الطاقة المتجددة والفكر المستنير والإقبال على الحياة والمستقبل.
وعندما يكون هذا اتجاه دولة ما، وجب على متخذي القرار أن يكونوا على قدر المسؤولية فضلًا عن تثقيفهم وعمل برامج مناسبة لهم، والاطلاع على التجارب العالمية الناجحة مثل: اليابان، ماليزيا، والصين، ودول كثيرة بدأت الالتفات إلى ثروتها الحقيقية والاستثمار فيهم بالاهتمام بتعليمهم تعليمًا جيدًا، وأيضًا التهيئة النفسية والإعداد الفكري والبدني.
مقالات ذات صلة:
الحل في الإيجابية والبحث والإبداع
التعليم للحياة والتعليم للامتحان
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا