مقالات

أنواع الحروب وعقلية المستعمر

الحروب نوعان، حروب قصيرة الأجل (بضعة أسابيع) يتحقق النصر فيها عن طريق القدرة على تدمير العدو، سواء قدرة تدمير بالسيف أو القنابل أو النار أو اختراق حاسوب ومنظومة العدو وتعطيل مؤسساته ومصالحه وخدماته، و حروب طويلة الأجل (أكثر من بضعة شهور) يتحقق النصر فيها عن طريق القدرة على تحطيم معنويات العدو، أو أن لا يتحمل اقتصاده نفقات حرب طويلة.

الحرب الباردة

في الحرب الباردة هزمت أمريكا الاتحاد السوفيتي الشيوعي ليس عن طريق إطلاق صواريخ وقتل جنود، لكن عن طريق استنزاف اقتصاده، فلم يتحمل حروب استنزاف طويلة ونفقات كثيرة، وعن طريق تحطيم معنويات شعوب الدول الشيوعية بالانبهار بالنموذج الأمريكي. وفي حرب فيتنام وأفغانستان انهزمت أمريكا ولم تحقق أهدافها رغم قوتها التدميرية، لأن نفقات الحرب كانت أكثر بكثير من مكسبها، وأصبحت خطرا على الاقتصاد الأمريكي، ولأن معنويات الشعب الأمريكي حطمها طول الحرب والفشل المستمر.

هناك من يكسب المعركة ويخسر الحرب، وهناك من يخسر المعركة ويكسب الحرب. الحرب هي القدرة على الصبر والنفس الطويل. “وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”. صدق الله العظيم.

قبل استعمار الإسبان لأمريكا الجنوبية كانت هناك حضارة عريقة، ودولة متقدمة في فنون الزراعة والتجارة والصناعة، كانت متقدمة في الفلك والرياضيات أكثر من أوروبا، كان لديهم نباتات لا يعرفها الأوروبي ولا العالم، نباتات تطعم الملايين، مثل الذرة والبطاطس.

ماذا فعل الاستعمار؟

شعار المستعمر هو نشر ثقافته لاحتلال العقول ومعها سرقة الثروات، وبالتالي فالمستعمر الإسباني لم يقم بمذابح فقط مثل مذابح كورتيز وبيسارو في الإنكا والمايا، لكن قام بتدمير وتفكيك النظام، فرض الديانة المسيحية على الشعوب الأمريكية، وسرق الذهب والفضة والثروات واستعبد الشعوب.

أولا.. انتصار عسكري.

ثانيا.. تفكيك المنظومة المحلية من تقاليد وتدمير قيادات المجتمع والسخرية من تراث الشعب.

ثالثا.. مسح الذاكرة بتدمير المخطوطات والكتب.

رابعا.. تعليم الأجيال الجديدة أن تراثها القديم سيئ وفاشل، وإن قوة الاستعمار تكونت باتباع أفكاره ومعتقداته، وعلى الجيل الجديد أن يقلد ويتبع أفكار الاستعمار ويقلده في كل شيء.

خامسا.. خلق واقع جديد فيه صفوة جديدة من عملاء الاستعمار يتحكمون في المجتمع، وتحرص على تدمير ثقة المجتمع بنفسه، والحفاظ على التبعية للاستعمار.

هذه هي الخطوات التي يتبعها أي استعمار، احتلال العقل ثم سرقة الثروات، صراع روتيني طوال ال500 سنة الأخيرة، والنتيجة تعتمد على قدرة الشعوب ومقاومتها للاحتلال الفكري.

اقرأ أيضاً:

الاستعمار الحديث

صراع ثقافات لا صدام حضارات

الحرب والشرف

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس

مقالات ذات صلة