فن وأدب - مقالاتمقالات

ألوان الظلـم في حياتنا

لقد انتشر الظلم في كل مكان، فنجده في الأسرة وفي المعاملات الاجتماعية وفي دنيا التجارة، وفي كل مكان تقريبا.  ويذكر زكي نجيب أن غلاما في عامه الثاني عشر قد سمع في الطريق العام بائعا متجولا يصرخ قائلا: هذا ظلم!

ماذا تعني كلمة ظلم؟

ولم يكن الغلام سمع هذه الكلمة بعد، وحين يعود إلى المنزل يسأل والده ماذا تعني كلمة “ظلم”، فأجابه بأن الظلم هو أن يوضع الإنسان في غير موضعه اللائق به، وإذا تجاوز فرد من الناس لحدوده المشروعة فيؤذي الآخرين فذلك ظلم.

ثم يستمر زكي نجيب مبينا أن الطفل قد أعجبته تلك الكلمة فكتبها بالطباشير على قطع الأثاث كلها، فنهره وزجره والده. ولكن لم يمض إلا يوم واحد ليجد الجيران أن مجهولا قد عبث بأبواب منازلهم ودرجات السلم، وقد رأوا كلمة ظلم قد كتبت بالفحم هنا وهناك، وعلم الوالد أن ابنه هو الفاعل فضربه.

ولم تمر أيام قلائل إلا وجاء أصحاب المتاجر يشكون هذا الابن لوالده، فقد كتب أمام متاجرهم كلمة ظلم، ولكن هذه المرة قد ظفر فيها الغلام بوعاء من طلاء أسود وفرشاة، فعاقبه والده أيضا، وسأله: “ما الذي يغريك بهذه الكلمة؟ تكتبها لنا بالطباشير وللجيران بالفحم ولهؤلاء الناس بالطلاء؟”

فأجابه الغلام بصوت مخنوق بالبكاء: “لست أدري يا أبت! اتركني هذه المرة ولن أعود إلى مثل ذلك أبدا”. ولم يكن الغلام عند وعده، فلم تمض إلا أيام ثلاثة وجاء الغلام يصحبه رجل من رجال الشرطة، فقد حفر الغلام كلمة ظلم على باب بنك أجنبي بآلة حادة.

ثم بعد ذلك يذهب به الأب إلى طبيب نفسي وينصحه بأن يذهب بابنه إلى الريف لتهدأ أعصابه. وأخيرا تعجب الوالدان وهما في القطار، فقد سمعا عجلات القطار تدمدم على القضبان وكأنها تقول: ظلم، ظلم.

آثار الظلم المختلفة

تلك صورة أدبية انتقد زكي نجيب من خلالها الظلم بكافة أشكاله، سواء داخل الأسرة، أو خارجها من معاملات اجتماعية وتجارية وكذلك أنظمة عالمية. والأثر الذي يخرج به القارئ بعد قراءته لتلك المقالة الأدبية هو مدى تغلغل الظلم الاجتماعى في حياتنا، بل يشعرنا زكي نجيب أننا أمام كابوس الظلم وهو يتعاظم حجما وقوة من الطباشير، تصاعدا إلى الفحم، فالطلاء، فالحفر على الخشب، وأخيرا صوت القطار يعلن بقوة عن انتشار الظلم.

الظلم في الأسرة يمكن إزالته بسهولة ويسر فهناك رابطة الدم التي تجمعهم، وهنا كان الطباشير معبرا عن هذا الظلم.

أما الظلم في معاملاتنا الاجتماعية فإزالته تحتاج لجهد أكثر وهنا جاء الفحم؛ فإزالة الفحم تحتاج إلى مجهود.

أما الظلم في حياتنا التجارية، كان الطلاء الأسود معبرا عنه وزيادة نسبة الصعوبة ولا ينفع الإزالة، بل لابد من تغير الطلاء، لذلك يجب تغيير الأسس التي تقوم عليها معاملاتنا من الغش إلى الصدق.

أما الظلم في النظام العالمي، والتي أراها تتجسد في هيمنة المؤسسات المالية الرأسمالية  وتحكم الدول الكبرى في تلك الدول الصغيرة، والتي لاتملك من أمرها شيئا، كان الحفر على الباب ولايصلح الباب سوى الخلع والتغيير. فلابد من تغيير سياسات هذا النظام العالمي، الذي لا يرى من عالمنا العربي سوى الاستغلال لموارده، وجعله مجرد عالم مستهلك، لايملك من أمره شيئا.

اقرأ أيضا:

ظلم وفقدان للعدالة.. لماذا ينتشر الظلم؟

ترهلات أخلاقية

مجتمع الموتى – هل من سبيل لإحياء مجتمع كثرت خطاياه؟

الوسوم
اظهر المزيد

د. علاء والي

عضو هيئة تدريس بآداب سوهاج، قسم الفلسفة فكر عربي حديث ومعاصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق