علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

أعرج في المترو – نظرة صادقة للسماء

في إحدى أبواب العربة

بقدم عرجاء يدخل بصعوبة عربة المترو، تنغلق أبواب العربة فيستجمع قواه لاستكمال ما بدأه في العربات السابقة، لمحْت استنفاره بمجرد دخوله فلم أبَالِ له، كثيرون هم المستنفرون من البائعين المتجولين وإخوانهم المتسولين، لم أتعرف عليه في البداية، ولكنه تحرك فأثارت حركته انتباهي، تكلم فراود كلامه دهشتي، أذكار المسلم، ساعدوني يا أهل الله! أذكار المسلم،

هكذا ردد وظل يردد أثناء حركته العرجاء بين أهدافه، يلقي بأوراقه المطبوعة على أرجل الجالسين بنبرة استعطافية وبمشية بها مبالغة في الانكسار الجسدي والنفسي تكفي لاستجداء مشاعرهم، يخوض جولتين في العربة ، الأولى لتوزيع الأوراق والثانية لأخذ الأوراق أو ما تيسر من الجنيهات.

الزميل الشاب

كنت أقف بجوار إحدى أبواب العربة، وجهي في وجه الباب، تابعته بإمالة رقبتي تجاهه ثم من انعكاس حركته على زجاج الباب القاتم، أعرفه! يسكن في نفس المنطقة السكنية التي أسكن فيها، عمره يساوي عمري تقريبا، شاب على مشارف الخامسة والعشرين من عمره،

كان معي في إحدى الدروس الخصوصية للمرحلة الإعدادية، وحاليًا أراه على فترات متباعدة في إحدى المقاهي في منطقتنا، أراه فيها مميزا، مشاغبا مرحا صوته عالي يمازح الآخرين، بعكس الانكسار والحزن الباديين عليه في العربة ، قدمه معاقة فعلا ولكن ليس بالمبالغة التي يسير بها داخل العربة على الإطلاق!

لم يكن غبي في درسنا وأتوقع أنه على الأقل قد حصل على مؤهل دراسي متوسط، تُرى ماذا فعلت به الدنيا؟ إلى أي مدى قست عليه الحياة ليفعل فعله هذا؟ تعمدت أن أظل ناظرا للباب حتى لا يراني، لربما لديه بقية من مشاعر تجعله يشعر بالحياء وانسحاق الكرامة إذا رأى أحد يعلمه،

زميلي مسيحي الديانة يشحت بأذكار المسلم! يضرب بمعتقداته عرض الحائط، يُتاجر بأفكاره ومبادئه، زميلي الشاب العفي يستجدي الآخرين بعجز لا يعجزه، يلغي وجود إنسانيته، يقسو على كرامته.

لما يفعل ذلك السلوك!

لا أريد أن أكون مزايدًا يزايد على الآخرين ولا يعلم بحالهم، الحياة قاسية وفي زماننا هذا هي أكثر قسوة من اللازم، ولكن إذا أردنا أن نحني جسدنا لنتجنب عواصف الحياة فثمة خط فاصل لا يليق بنا أن نتجاوزه، لا ينبغي أن ينحني جسدنا بالكامل، لا ينبغي أن ننكسر أو نتجرع مرارة الذل، لا ينبغي أن نشرب من كأس النفاق المُر فنتقيأ ما في جوف أرواحنا من مبادئ ومعتقدات،

لربما كان بإمكانه أن يتاجر بأشياء بسيطة يتربح القليل منها أو يعمل كعامل في إحدى المصانع، بالتأكيد بإمكانه أن يفعل ما هو أكرم له مما يفعله الآن، بالتأكيد هناك ما ينقذه من موت الجوع وفي الوقت نفسه يحافظ على كرامته وشرفه.

ولكن، لربما لديه أم مريضة تحتاج إلى أدوية بمبالغ باهظة لا يقوى على ثمنها أو لديه أخوات عرائس يحتاجون إلى تجهيز خاص.

حينها يكون الحل في تحقيق الفهم والإيمان لفلسفة الله وسُنته، الله حين وضع خطوطه الحمراء كان محيط بكافة الظروف التي سيتعرض لها عباده، ولم يقدم استثناءات للنفاق والاحتيال وانكسار النفس، خلقنا صادقين أمناء أصحاب عزيمة وكرامة وقدرة على التكيف مع الظروف مهما قست، هكذا فطرنا، لدينا قدرة الانتصار على التحديات.

حقيقة الأمر

الله حكيم لا يشق على عباده، لا يكلفهم فوق طاقتهم، ولكن هناك من يُخرِج كامل طاقته وهناك من يجذع فيفزع فيهرب إلى السهل ولا ينتبه إلى ما أودعه الله في نفسه، سيأتيك المال -يا عزيزي- بشكل لا تدركه، أو تُشفى أمك بشكل يُذهل الأطباء أو يأتي ابن الحلال الذي يأخذ أختك بحقيبتها،

مهما كانت مشكلتك ستُحَل شرط أن تسعى، فالفرج لمن سعى إلى رب الفرج، لمن توكل على السند الإلهي في سكناته وحركاته حتى ولو خسر شيء ما، فالتعويض الإلهي أعظم وأغنى.

الحل يكمن في نظرة صادقة للسماء، في التوكل والتسليم مع السعي الحر الشريف، في الانكسار للخالق وليس للمخلوق، في عدم تجاوز الخطوط الحمراء التي تُهلك الإنسان، في الثقة في الفرج الإلهي حتى لو تأخر، تأخيره لحكمة حتى لو لم نكن نعلمها، وقتها حتما ستتيسر الأمور من حيث لا تدري.

قد لا يتحمل المقال الحديث عن السعادة الحقيقية، ولكن إجمالا -يا عزيزي- صدقني السعادة الحقة تشمل عناوين معنوية كالرضا والإيمان والعلم والأخلاق والحب والإيثار والكرامة والحياء،

إن كنت تظن أن صعق إنسانيتك وكرامتك لأي سبب سيؤدي بك إلى السعادة فأنت واهم يا صديقي حتى ولو ارتشفت رشفة عابرة منها، فرشفتك سطحية مؤقتة سريعة الزوال، اقترب من المنبع الحقيقي تكن لك السعادة الحقيقية بثباتها وعمقها ودائميتها.

 

اقرأ أيضاً:

أخلاق الفرد وتأثيرها على نفسه وعلى مجتمعه – هل الأمر مؤثر فعلاً ؟

الحرية الشخصية بين التحرر والاستعباد.. ماذا يعني أن أكون حراً ؟

سلسة شرح الفلسفة السياسية ( الجزء الأول ) : المقدمة

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق