فن وأدب - مقالاتمقالات

أخلاق ابنة العاشرة

البارحة -أعتقد- سمعتُ الشيخَ يشرح المعاني المُستنبَطة من قصة سيدنا إبراهيم، في حلقة كان عُنوانها: (الابتلاءات التي تعرض لها الخليل، صلوات الله وسلامه عليه)، حتى استوقفني الشيخ وهو يقصُّ ساعةَ أخبر سيدُنا إبراهيمُ الحليم، سيدَنا إسماعيلَ الحليم، أنه رأى في المنام أنه يذبحه!

أنا سمعت هذه القصة وقصصتهُا مرارا، لكن الشيخ رضي الله عنه قصّها عليّ من منحنى آخر ليس الذي كنت أرى القصة منه! حتى كانت تلك الجملة التي قالها الشيخ: كيف أن الأبناء الصالحين يعينون آباءهم على طاعة الله سُبحانه، وكيف أن إسماعيلَ الحليم شد من أزرِ أبيه ليطيع باريه. ثم تلك الوصايا العجيبة التي وصاها الابن إسماعيلَ الحليم لأبيه!

يا أبت افعل ما تؤمر..

يا أبت اجعل وجهي للأرض حتى لا تراني فيحبسُك هذا عن أمر الله..

يا أبت أَحِدَّ السكين حتى لا يطول الأمر فيشق عليك فيحبسك هذا عن أمر الله..

يا أبت بِنا عن هذا الموضع الذي يوسوس لك الشيطان فيه حتى لا يحبسُكَ هذا عن أمر الله..

يا أبت خذ قميصي هذا حتى تتسلّى به أمي من بعدي..

يا أبت افعل ما تؤمر! هذا همّه الأوحد، أن يُطيع أبوه ربَّه فيه!

تُرى.. كيف كانت تلك الثواني على الحليمِ ابن الحليم؟! كيف كانت؟ لا بد أنها كانت مليئةً بالرضا واليقين والتسليم! وكيف سيكون حال من أمه هاجر وأبوه الخليل؟!

وبينما الشيخ يقص القصةَ إذ هبَّ على صحراء ذاكرتي الجرداء نسيمُ ذكرى خفيفة، وبرغم خِفّتها هذي ارتعدتُّ لها واضطرب قلبي اضطرابا مُستحقّا..

فَمُذ أحدَ عشرَ يوما وعشر ليالٍ تقريبا، أي ليلتين دون أول ليلة من الشهر المبارك، كنتُ وعائلتي في زحام السوق، أطنانٌ من الناس لا أدري ماذا يفعلون! وإن كان استنكاري هذا يُبطل نفسه، فماذا بالأحرى أفعل أنا أيضا مثلهم؟!

أما عنا، فقد خرج أبي معنا بعد تيقنه أن لا مفر من إزعاجي -ككل مرة- لنشتري ملابس العيد، أما عن السوق، فلله قد كان الأمر أشبه بنقود معروضة للبيع!!

مبالغات..

الكلُّ عبارة عن مبالغات ونقود كأن طبيعتها الورقية طغت على قيمتها، فأصبح الناس يرمونها تحت قدم أي بائع كأنها محض ورق جرائدَ من شهر عام ٢٠١١ الأول!

الكثير من المبالغات حولي، والكثير من الخيارات المبالغة، والكثير من أمسكي يدي يا أمي! أذكر أنه وبإحدى المحلات المبالغة، كان هناك ذلك الفستان الجميل، أعجبني كثيرا كثيرا، فلم أكد أترك يد أمي لأتفقده حتى صعقت! رباه!

هل باتوا يصنعون الملابس من النقود؟! تركته على وجل وأخبرت أبي أنها محض مبالغة أخرى لا تستحق، ثم إنه لا يعجبني لتلك الدرجة، لكن كان في نفسي له شيء.

حديث ابنة العاشرة مع والدتها

ثم عدنا للزحام المبالغ تارة أخرى، وها أنا أسير أقلّب ناظري بين شتى الوجوه لا أدري.. هل أبحث عن أحد؟! لكني أحب أن أقرأ الناس كثيرا، أن أرى ردود أفعالهم، أدرسهم! وبينما أنا في خيالي هذا إذ سمعت صوت طفلة ربما تكون ابنة العاشرة أو سنة بعدها، اخترقت سمعي بعض كلمات تهيبتُ لها، ثم أخذت أنصت أكثر، كانت تتحدث مع أمها، حديثها ذلك الذي أسرى الكهرباء في عروقي:

– “أمي، أنا لا أعتقد أني أحتاج إلى فانوس رمضان هذه السنة، انظري إليّ أنا كبيرة الآن، ولا حاجة لأن تشتري واحدا لأختي الصغرى، سأعطيها أنا الفانوس خاصتي، لا زال جديدا، يكفي أن تشتري بعض الأحجار له ليعمل، وأنا سألعب معها وأجعلها تحبه. لا بأس يا أمي، لا تكلفي نفسك ولا تقسي عليها، لا زال هناك الأشياء التي سنشتريها للمدرسة، فهل نشتري هذا أم ذاك أم تلك؟ أنت والله لا تحرميننا من أي شيء، يكفيني القليل، وأنا سأعتني بأختي.

لا أريد هذه الملابس الغالية، يكفي ما معي، نشتري لأختي الصغيرة وأنا لا بأس، أنت تتحملين الكثير لأجلنا يا أمي، أنا معي الكثير من الأشياء، لا أريد شيئا آخر”.

كان هذا جل ما تتذكره ذاكرتي السمكية، لكن هذا بقلّته كفاني لأضطرب! أذكر أني تمهلت واصطنعت هذا لأكمل الحديث، حتى أني تركت يد أمي! أما عن الأم، فلا أدري لماذا لم تكن تجيب ابنتها، ربما لم تملك من الكلمات شيئا، وأنا أعذرها، فوالله كان حديث الفتاة مُصمِتا!

عسى أن نتخلق بأخلاق الحليم

لكنها أردفت ردا وجيزا أعتقد الآن أنها كانت تحبس دمعها فيه لذا لم تملك أن تُطنبه، أخبرتها أنها لا تريد أن تحرمهما من شيء، أو هكذا أذكر أني سمعت؛ كان صوتها خفيضا محزونا، لكن.. ها هي ابنتها تطوّق خجلها هذا بكلامها الذي كأنه عسلٌ مصفى زاده صوتها البريء حلاوة فوق حلاوته: “والله إنك لا تحرميننا من أي شيء!”.

ثم تاها عني وكدت أنا أن أتوه عن أمي فأسرعت الخطا إليها مجددا وأنا أطأطِئ رأسي خجلا من نفسي بعدما سمعت! ربما نعم تركت ذلك الفستان وانتهرت نفسي عنه، لكن كان في نفسي له شيئ، فإذ بابنة العشر تعلمني درسا لا أخالني أنساه، بيد أنني وإن كانت تتملكني تلك الذاكرة العقلية الضعيفة، إلا أن لدي ذاكرة لا تَنسى أبدا، ذاكرتي القلبية تلك، ربما أتعذب بها أكثر مما أفيد، لكنها ذكرتني بهذا الحادث فلها امتنانٌ بعد لوم كثير.

سبحان الله! سُبحان اللهِ كم تحملُ تلك الفتاة الصغيرةُ من أخلاق سيدِنا إسماعيلَ الحليمِ الذي أعان أباه ولم يعن الشيطان عليه، هل هي تعرف أن هذا ما فعلته؟ لا أدري، لكن عساها تكبر فتصبح حليمةً ذات أخلاقٍ إسماعيليةٍ وأُمًا هاجَريّة.

وعسى الله أن يرزقني بأخلاق إسماعيلَ الحليمِ ويجعلَ أبنائي من بعدي إسماعيلِيِّ النَّزعَة، اللهم آمين.

اقرأ أيضاً:

بر الوالدين في الفكر الصيني

السياج الأخلاقي القيمي وأزمة التربية العربية

الأخلاق أم المصالح؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

منة إبراهيم دسوقي

الفرقة الثالثة كلية طب أسوان

عضو نادي أدب طب أسوان

مقالات ذات صلة