مقالات

أبي تحت الشجرة

(1) الأخ الأصغر

بأي منطق يختار قائدا الفريقين الصورة أو الكتابة في قرعة اختيار الكرة وجهة الملعب؟ يكون لدينا الاستعداد للاختيار عندما نمتلك أسباباً تجعلنا نُرجّح خياراً على الآخر، ولكن ماذا لو تساوت الكفتان؟
في ملعب الحياة يكون الوضع أكثر تعقيداً من ملعب الكرة، في ملعب الحياة تتجلى الحيرة التي ستجلب معها الخوف أياً كان الخيار، لا أحب الخوف ولا أريد أن أقوم بأفعال تجعلني خائفاً ولكن كل الأفعال تؤدي إلى الخوف!
أبي وأخي هما الصورة والكتابة، تعاظم شأن أخي وتراجع ثِقل والدي في الفترة الأخيرة على مستوى العائلة والمدينة حتى تساوت قوتهما، أبي حاكم المدينة ومحبوب شعبها، أما أخي فيعتبر نفسه ولي العهد فهو حالم بالحُكم والسلطة، هل يرى أخي زواج أبي من خادمته تهديداً لمستقبله؟!، هل سينقلب عليه ويجبره على نقل السلطة له اتقاءً لشر ومكائد المعارضة؟
هل لديه القدرة على انقلاب مثل هذا؟ هل سيتركني أخي بعد نجاح انقلابه إن أخذت صف أبي؟ وإن ناصرته وفشل هل سيسامحني أبي لمناصرتي هذا الانقلاب الفاشل؟ وإن التزمت الصمت هل سيرضى المنتصر فيهما عن عدم وقوفي بصفه أثناء الصراع؟
سحقاً، بأي منطق سأختار خياراً مصيرياً مثل هذا، أنا لا أعلم هل أستمر في تشجيع فريقي المعتاد على الهزيمة أم أتركه تجنباً لشماتة الشامتين وتقليلاً لجرعات الأدرينالين، لا أعلم لماذا تضيق نفسي أمام أتفه الأسباب وأصعبها، قرأت مقولة تقول “الإنسان لا يتحمل الألم إلا من خلال إيمانه بشيء ما يتجاوز ذاته الضيقة” لا أعلم من القائل ولا أعلم عن هذا الشيء الذي يقصده، ولكني أعلم أن الضعيف يحتاج احتواءً، يحتاج لوطن مُصغر يسعه وحده، يرتمي فيه عندما تتفاقم الأمور في الخارج، الخارج هو الوطن الأكبر، وطن خطوط الطول ودوائر العرض، وطن الجغرافيا، وطن الصراعات والظلم والقسوة وغياب العدالة، الضعيف يحتاج إلى وطن خاص رحيم به يخفف عنه قسوة الخارج، وهذا ما يحتاجه عجوز اقترب من مفارقة الحياة ويسيطر عليه القلق باستمرار، وطن جديد حدوده ذراعا امرأة وإن كانت خادمته!
بدأت علامات الخوف تظهر على جسد أبي منذ اقترابه من عقده السبعين، حاصر انكماش جلده عينيه، انحنى ظهره، احتل الصلع رأسه معلناً هزيمة خصلات الشعر الأبيض الناعم، فالشعر لا يتساقط إلا بحزن كبير والظهر لا ينحني إلا بحمل الزمان، الزمان الذي صنع عجوزاً مثقولاً قلبه بالخوف من النهاية والحسرة على العمر الذي أوشك على الانتهاء.
القلق جعله يبيع الأملاك والأصول ويحولهما لأموال سائلة، القلق جعله إنساناً يريد الهروب، جعله يتصرف بلا منطق، جعله ينسى أفعاله السابقة ولا يبالي إن خالف مبادئه، أبي الذي رفض زواجي من فتاة فقيرة وقرر تحطيم قلبي وجعل منّي أتعس أهل الأرض ها هو يتزوج من خادمته دون مبالاة للعواقب، فقط لكي يسكن زراعين يعطيانه الأمان.

( 2 ) الأخ الأكبر

مصيبة وستحل على الرأس، عندما ينتشر هذا الخبر سيبدأ كل شيء في الضياع، إنه المسمار الأول في نعش العائلة، ستنكسر هيبتها أمام الجميع عندما يعلمون بزواج هذا العجوز الأرعن من خادمته، كيف ستحكم العائلة هذه المدينة بعد ذلك؟ كيف سأخلف أبي في هيبته وقد فقدها قبل أن يخلفني إياها بزواجه من فتاة تصغره بأربعين عام تربت في القصر كخادمة لأبوين خادمين؟ لربما تنجب ويتغنى العوام بهذا النكرة، كيف سيجعلون مني وليا لأمرهم، ولي أخ دمه ملوثاً بدماء الخادمات؟، ولربما تغنوا بالشك في قدرة أبي على الإنجاب وبكون المولود خدعة من خائنة، كيف سيجعلون عائلة خدعتها خادمة خائنة تستمر في حُكمهم؟
إنها فرصة للمتربصين لنا للصعود على ساحة المدينة بعد سنوات من الصمت، فرصة منحها لهم هذا الكهل الأصلع الذي يُظهِر هيبته في مظهر صلعته، لا يريد الاقتناع بأنه مريض تجاوز السبعين ترتعش يداه عند الإمساك بكوب من الماء، يريد أن يقول ها أنا هنا مازلت أمتلك القرار وحدي وقادر على تمريره مهما خالفه الجميع، يريد أن يكسر المألوف، يريد أن يستعرض قوته، كان يجب أن أُدرك ولعه هذا منذ أن باع الأملاك والأصول وجعلهما مالاً سائلاً، إنه يريد أن يتصرف خارج الصندوق والسير عكس التوقعات لكي يحصل على انبهار ومدح الجميع كما كان، هذا الرجل المهووس بالسلطة، يريد استعراض سيادته وحُكمه ورشده بعرض أسباب غامضة بلهاء لتصرفاته، لن أقف مكتوف اليدين أرى السلطة تضيع أمام عيني، يجب ألا يتسرب هذا الخبر، بل يجب أن يُصبح  في خبر كان.

(3) سيدة القصر وابنة سيده

يلعن الفقراء فقرهم، يُحمّلون الدنيا ذنبهم ويرونها ليست عادلة بما يكفي بسبب حمل نظامها طرفي النقيض، أغنياء وفقراء، ولكن هذا هو النظام الذي يحفظ التوازن في الدنيا، لن يكون كل الناس أغنياء فمن سيخدمهم، ولن يكون كل الناس فقراء فمن سيملك الثروة، كل منهم مُهيأ للدور الذي يقوم به، والظلم هو التخلي عن هذا الدور والاعتداء على الطرف الآخر، أما الفقراء فليسوا نبلاء بما يكفي، فعندما تأتي لهم الفرصة للصعود بغير عدل يتمسكون بفرصتهم بغير تردد، دون اعتبار لمن سيظلمونهم، لا ينظرون إلا لطعام وشراب ونقود، لا يعرفون فقراً سواهم، ليس لديهم كبرياء يجعلهم يشعرون بالإهانة التي يشعر بها أمثالنا عندما يصعد أمثالهم على أكتافنا.
أنا، سيدة هذا القصر وابنة سيدة، ماذا عن شعوري عندما تأتي خادمة من خادمات قصري تُنصّب نفسها كسيدة كبرى للقصر؟، مكانة لم تصل لها سوى المرحومة أمي، إنه الظلم بعينه، الفقر الحقيقي، وليس فقر معدومي النقود والكبرياء الذين يريدون التخلي عن دورهم لطمع نفوسهم، هم ليسوا مؤهلين للتعامل مع ملايين النقود وعشرات الأصول المعقدة، ليسوا قادرين على تحمل شقاء الحفاظ على اسم عائلة وشرفها وكبريائها، ليسوا جاهزين ليكونوا أمام أنظار الجميع مُسلطة عليهم الأضواء، لن يستطيعوا تحمل كل هذا، أما هي فليست كاملة الأوصاف، ليست فاتنة، بل ليست جميلة مطلقاً، إنها الخادمة بنت الخدم، ولكن الدلال سلاح يفتك بأي رجل.
بالتأكيد حوّل أبي أملاكنا إلى أموال نقدية بناء على طلبها وتحت تأثيرها تمهيداً لتستولي عليهم وتهرب، لا ألوم أبي العجوز بل ألوم تلك المخادعة مُدّعية الطيبة والبراءة.
“خاطفة الرجال الفاشلة” كما كانت تلقبها أمي، ظنت أن تفوقها الدراسي سيغني عن طبقتها الاجتماعية المنتمية لها فحاولت اصطياد شباب العائلة، واحداً تلو الآخر، ليتقدم أحدهم لخطبتها ولولا تصدي أمي “لوقعت الفأس في الرأس”، ولكن جاء أبي ليقذف الفأس في رأس الجميع بزواجه منها، تزوج بحثالة تشاركني مكانتي ومالي.
عندما يصيب رجل سن اليأس يكون الوضع أعنف من إصابة امرأة به لأنه يقرر أن يعيش مراهقته من جديد وسط من يحتمون بحكمته، يقولون أن الصلع يُضفي مظهراً جذاباً على الرجل العجوز، لربما هذا السبب الذي جعل أبي متمسكاً بصلعته رغم إلحاحي عليه بزرعها في السابق، كان له رأي آخر حول الوسامة وقت أن كنت أظنه غير مهتم.

(4) ما وراء الحجاب

– لماذا تبتسمين؟
— ظننتك عجوزاً فقد عقله، لا أعرف هل أشكرك على كرمك أم ألعنك لأنك فتحت علي أبواب جهنم؟ لا أعلم هل أحترمك على لطفك ورحمتك أم أمقتك على استغلالك لبنت لا حول لها ولا قوة في معاقبة أبنائك؟ أعذرني إن تجاوزت صراحتي حد الذوق!
– أردت بالفعل معاقبة أبنائي، أردت كسر حجاب السلطة والكبرياء والقلق الذي يعيشون وراءه، لكن صدقيني كان بإمكاني فعل ذلك بألف طريقة أخرى دون إشراكك في الأمر، أنتِ تستحقين أن تكوني سيدة هنا، تستحقين أن ترثي من مالي أكثر منهم، تربيتي وكبرتي هنا وهم لا يعلمون شيئاً عن التربية، تعلمتي ونجحتي هنا وهم لا يتعلمون شيئاً طيلة حياتهم سوى كيف يشتهون فيلّبون شهواتهم، أخلصتي وصبرتي هنا وهم لا يعلمون شيئاً عن الإخلاص والصبر، أحببتي وضحّيتي هنا وهم لا يعلمون شيئاً عن الحب وليس لديهم ما يضحون من أجله سوى رغباتهم، كان بإمكانك الخلاص بهروبك وزواجك ممن تحبين ولكنك اخترتي العبودية هنا مقابل السلام والعيش لوالديكِ، سامحيني لأني أهملتك كل السنوات الماضية وتركتك فريسة لزوجتي الطبقية المادية التي أفسدت أبنائي، اهتممت بتحقيق العدل لشعبي ونسيت تحقيق العدل في بيتي، لكن العدل ينتصر في النهاية دائماً، هذه هي سُنته، ربما يتأخر ولكنه حتماً سيأتي في النهاية، أنتِ الآن في حمايتي أنا، وسترثين بعد موتي، يمكنك وقتها بداية حياة جديدة، تكوني فيها سيدة حرة كريمة منتصرة، ولا تخافي، إني ضامن لكِ الأمن والسلامة في حياتي وبعد موتي أيضاً.
— ابنتك تظن أنني من أجبرتك على بيع أملاكك؟
– وابني الأكبر يظن إنني بعتها لخطة عبقرية في رأسي والأصغر يظن إنني بعتها لكي أحضن النقود أثناء نومي خوفاً من أن تهرب! كل منهم يرى الحدث من وراء نفسه ولكن الحقيقة دائماً مجردة عن حجاب النفس ولا يراها إلا من يزيل هذا الحجاب.
— أخبرني لماذا حولت أملاكك إلى نقود؟
– تمهيداً لحرمانهم من الميراث وليسهل علي توزيع ثروتي على من يستحقون!
— تحرمهم من الميراث!! ألا ترى أن عقابك تجاوز القسوة؟!
– أحياناً من العدل ألا نرحم، أحياناً تكون القسوة تمهيداً للوصول إلى الرحمة، أخبريني يا صغيرتي كيف سترين جمال ألوان البستان في ربيعه من وراء نظارتك الشمسية ثنائية اللون، إلا إذا نزعتيها من فوق عينيكِ، ستقسو عليكِ الشمس قليلاً ثم ستتأقلم عينيكِ على نورها، وقتها سترين ألوان الزهور الحقيقية، أبنائي لن يروا الرضا من وراء نفوسهم الطامعة، لن يشعروا بالحب من وراء قلوبهم الكارهة، لن يصل للحقيقة من يسير في طريق أعوج مطباته الشهوات؛ فحتماً سينقلب على رأسه! وحده الألم القادر على نزع الآثام من نفوسنا، وأنا قررت أن أنزع الشر من نفوس أبنائي، قررت أن أترك لهم إرثاً أعظم من إرث العائلة والنفوذ والمال.
— هل حرمت ابنك الأصغر من الزواج بحبيبته لأنها فقيرة فعلا؟
– لم يحدث، من حقه الزواج بمن يحب ومن حقي أيضاً ألا أعطي مالي لمن لا يستحق، من تطلب أملاك باسمها ولا تفكر سوى بالنقود والهدايا هي بالضرورة طامعة ولا تستحق يا عزيزتي، وعندما أغلقت عليها باب المال هي من رحلت عنه وتركته!
— ومن أين لك أموالك من الأساس، هل انتفاع من سلطتك؟
– لم أدخل السياسة وأقود الثورة على الفساد إلا وأنا في عمر الأربعين، قبلها كنت أُدير ثروة أبي والتي ورثتها عنه لاحقاً.
— وماذا عن حكم المدينة من بعدك؟
– من سيحكم هو الأكفأ والأعلم.

**************************************************
إنها موانع التفكير التي تحول بيننا وبين التفكير السليم، الحجاب الذي يمنعنا من الوصول للحقيقة، النظارة التي على أعيننا والتي نفسر الأمور من خلالها فالأب أراد أن يبيع أملاكه وصاحب نظارة القلق المرضي ظن أباه خائفاً يتصرف بارتباك وصاحب نظارة حب السلطة ظن أباه يباغت ويناور لإيصال رسالة معينة وأما الابنة صاحبة نظارة التكبر لم تصب غضبها على أباها بل صبته على الخادمة التي ستهين كبريائها، وحتى في أبسط الأمور، مظهر صلعة أباهم! الخائف يرى فيها الغم وتساقط الشعر بفعل الحزن والسلطوي يرى فيها مظهراً ذا هيبة وقوة والأنثى ترى فيها مظهراً جذاباً يجذب النساء!
علينا أن نتجرد من هذه الأمراض النفسية ونخلع هذه النظارة من على أعيننا لتصبح أعيننا حرة ترى الأمور على حقيقتها، ترى في الشجرة مكاناً مؤقتاً مُهيأً للجلوس تحت ظلها للتفكر والعمل على الوصول إلى الحديقة التي في نهاية الطريق، دون الانخداع والانشغال بما فوق الشجرة من ثمرات تقودنا إلى السقوط!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق