إصداراتقضايا شبابية - مقالاتمقالات

الجواز نكد، أبقى أتجوز ليه ؟ الثنائية بين حياة زوجية تعيسة و حياة العزوبية الحرة

الزواج و الثنائية في التفكير

“أبقى أتجوز ليه؟ وأنا مالى، ولا أتقيد ليه؟ كده مالى، ثم أنا كده بعمل ما بدالى، حر وخالى وأمرى فإيدى”، موجزًا تلك المعضلة الأبدية والخيار الصعب، بين علاقة الزواج التى تبدو مليئة بالكثير من المشاكل والصعاب وبين البقاء عازبًا حرًا رائق البال، منقادًا لتلك النظرة الثنائية التى تعد عنوانًا لكل الأزمات الفكرية الحالية، فينظر الشاب مثلًا لمسألة الزواج حاصرًا إياها بين أفضلية البقاء حرًا سعيدًا أو الوقوع فى علاقة زواج فاشلة، مستدلًا بأن “أليس الأفضل البقاء عازبًا من خوض غمار حياة زوجية من الفشل؟!”،

وهو اعتراض قد يبدو وجيه لصاحبه إلا أنه يغفل هاهنا حقيقة أن هذا ليس قرارًا بين خيارين لا ثالث لهما، واقعًا فإن الاختيار ليس بين زواج فاشل أو عزوبية سعيدة، ولا يكفى الاستدلال بندرة حدوث -أو عدم حدوث- علاقة زوجية ناجحة للوصول إلى تلك النتيجة التى توصل لها كمال (فؤاد المهندس) فى مسرحيته الشهيرة (سيدتى الجميلة)، أو النظر للأمر بمنظور آخر، هل يعنى قبح العلاقة الزوجية المفتقرة للكمال النفسى والروحى حُسن العزوبية؟ لا شك أن الإجابة ستكون لا، إذن فإن الفيصل فى الإجابة عن هذا السؤال -وغيره- لابد بأن يكون فى البحث عن حُسن الفكرة فى ذاتها للوصول إلى التطبيق الأمثل لها بعيدًا عن أى خلل حادث فى تطبيقات أخرى لنفس الفكرة.

الثنائية بين الإنسانية والدين

تحنو على طفلة سورية فقدت الأهل والأصدقاء، وتحتضن صبى صومالى قد أضنته المجاعة، تتبنى طفلًا أثيوبيًا وآخر سوريًا، هى سفيرة النوايا الحسنة لشئون اللاجئين الممثلة الأمريكية العالمية (أنجلينا جولى)، إذن فأين هى مما كنا نتحدث عنه؟ لا يمكن بأى حال من الأحوال نكران تلك الجهود العظيمة التى تنم عن شخصية تنحاز دومًا للإنسانية، ومؤكد أن عرض تلك الحالة فى معرض كلامنا ليس بأى حال من الأحوال هجومًا عليها أو حتى محاولة سبر أغوار نواياها، إلا أن المدهش والداعى لنا للنظر فى تلك الحالة الفريدة هو ذلك التعاطى المشابه للغاية لنفس قضية الزواج، حيث أصبح معتادًا ذلك التعليق حول أفضلية الإنسانية على التدين والتى يرى البعض أن (أنجلينا جولى) هى خير ممثل لتلك الفكرة!!!

وهكذا عدنا لنفس نقطة النزاع السابقة بين الدين والإنسانية تارة، والدين والعقل تارة، والدين والعلم تارة أخرى، لنغرق فى وحل تلك المنهجية الضحلة فى التفكير، حيث لا نرى من الألوان سوى الأبيض والأسود ( الثنائية )، فلا يمكن حتى رؤية ما بينهما من رمادى ناهيك عن درجاته، حيث يقع صاحب تلك النظرة فى خطأ الشخصنة الدائمة لأى فكرة، فيصبح الدين مثلًا مرادفًا لفلان الداعى للعنف والعلم مثلًا مرادفًا لعلان المنكر لوجود إله أو دين، دون النظر إلى وجود غيره من العلماء المؤمنين بوجود إله أو وجود متدين يؤمن بالتعايش والتسامح، بل إننا بالنظر إلى الأمثلة الأخرى -التى طرحناها- قد وقعنا أسرى لنفس تلك المنهجية القبيحة للتفكير، متبعين نفس الخطأ فجعلنا تسامح هذا أو إيمان ذاك مرتبطًا بحقيقة تلك الفكرة أو غيرها.

هل الحل هو عدم الإيمان بشئ ؟

يجلس أما تلك الشاشة الصغيرة التى تعرض له تلك المناظر البشعة لأشلاء ممزقة وجثث متفحمة وأجساد أطفال وشيوخ ونساء قتلى، وقد وقف قاتلهم مزهوًا بنفسه يصرخ بأن الحق -حقه هو- قد انتصر، ظنًا منه بأن الله أو الوطن أو الشعب أو حتى الفكرة قد دعته لقتل أبناء دينه أو وطنه أو حتى إخوته فى الإنسانية، وقد هاله المشهد البشع فلا يجد أمامه مفرًا سوى الظن بأن الإيمان -أى إيمان- هو الدافع الأول لتلك الوحشية والقبح اللذان ملآ العالم، ليؤمن فى النهاية أن خلاص الإنسانية لا شك فى التخلص من ذلك الإيمان بأى فكرة، ظانًا أن عدم الإيمان هذا هو ما فوق الإيمان الذى به يجد الإنسان سعادته،

دون أن يفطن لتلك المفارقة الساخرة أن إيمانه بعدم الإيمان ما هو إلا إيمان محض، وإن دعاه بغير ذلك، فـ”الحق نسبى” أو “اختلاف وجهات النظر دليل على أنه ليس هناك حق واحد أو مطلق” أو ما دون ذلك من الشعارات لم تستطع إخفاء ذلك التناقض الذى أوقعه فيه هواه المتأثر بما رآه من بشاعة وعنف، فوقع فريسة كما وقع غيره لذلك الخطأ المتكرر، وكأنها دائرة مفرغة من المنهجية الخاطئة تبتلع كل فكرة تدنو منها، بين أن “الأفكار تقتل وتفرق” إذن فلأعيش بلا فكرة متجاهلًا حقيقة كونها فكرة بالأساس!! بل بعيدًا عن كونها فكرة فقد عطل عقله عن التساؤل الأهم وهو جدوى الأفكار وحاجته إليه، ظنًا منه أن التفكير والفكر ما هو إلا رفاهية قد يستطيع تنحيتها جانبًا لا جزءًا أصيلًا من كونه إنسان، إذن فما الحل؟

هل الزواج نكد ؟

الحل يبدو واضحًا جليًا، يبدو أحيانًا أن بساطته المفرطة تثير شكوكنا حول صحته، فكما أن المبدأ النظرى هو الدافع لأى فعل إنسانى، كأن يعمل الأب سعيًا لجمع المال إيمانًا منه بأن بالمال سيسعد أولاده فيسعد بسعادتهم، وكأن يتعبد الناس إيمانًا بأن فى رضا الله السعادة الحقة، فإن البحث فى هذا المبدأ النظرى فى ذاته سعيًا لإدراك حقيقته ومدى صوابه قد يكون هو السبيل الوحيد للخروج من تلك الثنائية فى التفكير، فإن أنت أدركت كونك إنسانًا تسعد بكمالك ولا يتأتى لك ذلك الكمال إلا بتكاملك مع غيرك، أدركت حاجتك للعلاقات الإنسانية كافة -ومن ضمنها الزواج قطعًا- فعلمت ما تحتاجه منها وما لك أن تسعى لتجنبه تحقيقًا لهذا الكمال،

وإن أنت نظرت وتأملت فى هذا الكون البديع المنظم أدركت أن له خالقًا مدبرًا، فإن نظرت إلى نفسك أدركت فقرها وضعفها وحاجتها ونقصها، اشتاقت نفسك لهذا المدبر ولمعرفته، فتجلت لك الحاجة للنظر والتأمل فى وجود الدين من عدمه بعيدًا عن سلوك من سبقك من المستمسكين بالدين أو تاركيه، فلا الزواج (نكدًا)، ولا الدين قبحًا وجهلًا، ولا الإنسانية فى صراع مع الدين أو العلم، ولا العقل يقارع النص، ولا الأفكار هلاك، وإنما هو أنت وعقلك وحده القادر على معرفة ذاتك وما حولك، بما أودعه الله فيه من قدرة على التفكير وتوق المعرفة ومزية الشك والتساؤل والحكمة لاتباع الحق وحده.

اقرأ أيضاً:

الزواج كمال أم انتحار اجتماعي ؟

لأن الحلال أجمل لا تنتظر

حديث عن الطبيعة الإنسانية

الوسوم
اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق